الهروب من غزو الأفكار الوجودية قبل النوم

Tony Huynh – Insomnia

إن همّي قد نفى النوم عنّي .. وحديثُ النفس شيءٌ ولوع

تتجه إلى سريرك بعد أن يسكن الليل وينصرف الناس إلى فرشهم آملًا أن تحظى مثلهم بنوم عميق، لكنك تتقلب في فراشك وتتفكر في أحداث النهار وتباغتك همومك، فتقلبها في رأسك وتتذكر حماقاتك في إتيانك بأقوال أو تركك لأفعال. عندما تكون مرهقًا بعد يوم طويل، ووحيدًا مع نفسك فوق السرير حينها فقط تتكابل عليك الهموم والأحزان، وقد تصرعك فتمزق قلبك وتتسائل
“ما الذي أفعله في حياتي؟”
“هل لوجودي معنى أو فائدة؟”
“لماذا أنا هنا؟ ولماذا صرت هكذا؟”
العجيب أن هذا كله يختفي عندما تستيقظ، فهل كانت حاجتك إلى النوم هي السبب؟ يالضعف الإنسان!

في هذه التدوينة القصيرة سأستعرض باختصار بعض الطرق المفيدة للهروب من الأفكار الوجودية قبل النوم. قد يقول البعض أن هذه الأفكار التي تُعرض علينا قبل النوم مفيدة حتى يُراجع الشخص يومه ويُحاسب نفسه، أما أنا فأقول أنها طريقة عقيمة لأن التفكير قبل النوم لا يؤدي إلا إلى القلق والأرق، كما أن محاسبة النفس لاتصلح عندما يكون المرء في أضعف حالاته. يستطيع الإنسان أن يُقيّم أمسه في أول النهار عندما يكون مستعدًا وواعيًا في كامل قواه.

القراءة قبل النوم:
وهذه من أجدى الطرق نفعًا للحصول على نوم هادئ وعميق. أما تصفّح الشبكات الإجتماعية من جوالك قبل النوم بحجة القراءة فهي وسيلة غير مجدية وقد تسبب الأرق إذ أنك تُركّز على الإنتقال مابين صفحة إلى أخرى والبحث عن أمر معيّن يُجذبك مما يعني القيام بمجهود صغير- وإن كان هذا المجهود صغيرًا للغاية فهو يظل مجهودًا-.
الحل هو القراءة: قراءة رواية أو قصة صغيرة. قراءة الكتب الأخرى تحثك على التفكير وهذا مانريد أن نتجنبه، أما الروايات والقصص فإنها تُذكّرنا بالحكايات التي تُروى للصغار قبل النوم. قرأتُ العديد من الكتب على شاشة جوالي- أكثر من ٢٠ كتابًا- قبل أن أقرر أخيرًا شراء جهاز كندل. الجهاز صغير وخفيف ومُزوّد بإضاءة تجعلك تقرأ الكتب في الظلام بسهولة ووضوح. نصحتُ إحدى صديقاتي، والتي اشتكت من غزو الأفكار الوجودية قبل النوم، بأن تقرأ قبل أن تنام حتى يسقط لوح كندل من يدها، فلئن تقضي ساعة تقرأ خير لك من أن تخسرها في أفكار سلبية تضرك ولا تنفعك.

بعض النصائح التي قد تساعدك على النوم:
– الإبتعاد عن شرب القهوة والشاي قبل ٨ ساعات من موعد نومك:
لستُ من أصحاب القهوة، فقد يكون عدم اعتيادي على شرب القهوة هو السبب الأساسي للأرق لديّ عند تناولها في وقت متأخر. لكننا لا نختلف على أن مادة الكافيين هي منبه يجعلك متيقظًا شئت أم أبيت. حتى النوم بعد نهار قد شربت فيه قهوة لايشبه النوم الذي تحظى به في يوم خال من الكافيين.

– التوقف عن ممارسة أي مثير/نشاط عقلي قبل النوم:
مشاهدة فيلم حزين أو فيلم رعب، الكتابة، الإنخراط في جدال.. كلها مثيرات تجعل عقلك نشيطًا من الصعب تهدأته، فكيف بممارستها قبل النوم؟ أذكر أن أنيس منصور كان يُعاني من الأرق -كتب مقالات في ذلك- إلا أن سبب أرقه في ظني هو تفكيره المستمر في الكتابة حتى أنه كان يضع قلمًا بجانب سريره يستخدمه في الكتابة كلما أتته فكرة نهض وكتبها.

– الرياضة | الحركة المستمرة خلال اليوم:
ذكر ديل كارنيجي في كتابه الشهير “دع القلق وابدأ الحياة”، أن مجموعة من المصابين بالقلق قد وُضعوا في مزرعة ليمارسوا نشاط المزارع من الصباح الباكر، فلا يحل المساء إلا وهم يغطون في نوم عميق. لا أقصد أن تتجه إلى مزرعة وتبدأ في مباشرة العمل كمزارع حتى تظفر بنوم عميق، لكن الشاهد من ذلك أن الجسد النشيط هو أكثر قابلية للحصول على النوم هادئ من الجسد الكسول. وممارسة الرياضة قد تساعدك على التخلص من الأرق.

– الإستغناء عن القيلولة:
من أكثر مسببات الأرق في الليل هي القيلولة وإن قصرت مدتها. لست بحاجة إلى قيلولة إلا إذا أردت أن تبقى متيقظًا آخر الليل، وهذا يحدث عادة إذا كان لديك أمرًا هامًا تعمل عليه في المساء، أو في إجازة نهاية الأسبوع وأيام العطل.

هناك بعض الوسائل الأخرى للحصول على نوم مريح، كالحصول على دش دافئ قبل النوم، والتأكد من مدى نعومة الفراش وبرودة الغرفة، بل أن بعضهم ينصح بالاستماع إلى “الإزعاج الأبيض (أو غير الضار؟)” للتخلص من القلق وهو إزعاج شبيه بصوت المكيف وعندما تكون بداخل الطائرة أو السيارة.
هنا رابط مدته ١٠ ساعات على اليوتوب من هذا الإزعاج الأبيض:

لا تعرض أعمالك على أولئك الذين لا يعرفون شيئًا

James Yang


عاش في بلاد الهند فنان شهير أحبه الناس بسبب لوحاته الرائعة اسمه (رانجا تشيلري)، واسم تشيلري في اللغة الهندية يعني سيد الألوان. كان يُلقّب برانجا جورو “المعلم رانجا”.

كان لدى المعلم رانجا تلميذ يُدعى راشيتشي، الذي بعدما انتهى من دراسته رسم لوحة رائعة وأحضرها إليه حتى يُقيّم أستاذه لوحته

“أستطيع القول بأنك فنان مبدع حقًا، لكن الناس في هذه المدينة هم من سيُقيم لوحتك. لذلك، أريد منك أن تأخذ هذه اللوحة إلى وسط المدينة فتضعها في أشد الأماكن ازدحامًا ثم تترك بجانبها قلمًا أحمرًا. اكتب ملاحظة بجانب اللوحة تسأل الناس فيها عن رأيهم تجاه عملك بأن يُحددوا بالقلم الأحمر المواضع التي لم تُعجبهم في اللوحة”.

فعل راشيتشي ما قاله أستاذه، وبعد أيام قليلة ذهب إلى وسط المدينة ليجد لوحته وقد امتلأت بالعلامات الحمراء حتى يكاد من المستحيل رؤية اللوحة. لم يكن بوسع راتشيشي الحزين أن يفعل شيئًا، لذلك قرر أن يأخذ اللوحة لأستاذه ويعلمه عن مدى إحباطه. 

نصحه المعلم رانجا أن يكف عن الشعور بالإحباط وأن يرسم لوحة أخرى، ثم يأخذها مرة ثانية إلى وسط المدينة في مكان مزدحم بالناس، ولكن من دون أن يضع بجانبها قلمًا أحمرًا بل فرشاة رسم ولوحة ألوان وألوانًا زيتية. أخبره أن يضع ملاحظة بجانب اللوحة
“أصلح المواضع التي لم تعجبك في اللوحة”. فعل راشيتشي ما نصح به أستاذه.

بعد أيام قليلة ذهب راشيتشي ليتفقد اللوحة، كان سعيدًا عندما رأى أن لا أحد قام بالتعديل على لوحته، أما الأدوات التي وضعها بجانب اللوحة فقد وجدها كما تركها. أخذ راتشيشي اللوحة وذهب بها إلى أستاذه الذي قال:



“عزيزي راشيتشي، في المرة الأولى منحت للناس فرصة لأن ينتقدوك. وعندما فعلت، انتقدوك بحدة أكثر مما تصورت. على الرغم من أن بعضهم لا يستطيع الرسم فقد انتقدوا لوحتك. لكنك في المرة الثانية أردتَ من الناس أن يُقيّموا أخطائك. بمعنى آخر، أردت أن يكون نقدهم بنّاء. ولكي يكون نقدك كذلك، تحتاج إلى أن تتعلم. لم يحاول أحد أن يصحح لك اللوحة، لم يتجرأوا لأنهم لا يستطيعون الرسم.

عزيزي راشيتشي، لايكفي أن تكون أستاذا في مهنتك فقط، بل يجب عليك أن تكون حكيمًا أيضًا. فلا يُعقل أن تتوقع ردودًا عادية من أشخاص لا يفهمون ما الذي سيقولونه لك. فبالنسبة إليهم، عملك هذا ليس له قيمة. لا تعرض عملك على الأشخاص الذين لا يعرفون شيئًا. لا تناقش أعمالك معهم”.


قصة قصيرة ترجمتها: Don’t present your work to the ones who know nothing.

لماذا يجعلك الملل أكثر إبداعًا؟ – مقال مترجم

Zohar Lazar

“أكاد أموت من الملل!”

اشتكت الزوجة حديثة السن يلينا في مسرحية تشيكوف (العم فانيا) من الملل قائلة “لا أدري ماذا أفعل”.
إذا كانت يلينا حية اليوم، فبالتأكيد سوف تخفف من مللها هذا بالعبث في جوالها: تبحث عن أمر مسلي في تويتر أو بزفيد أو لعبة “كلاش أوف كلانس”. 
إذا أصبحت لديك مُسليّات لاتُحصى في جيبك، فمن السهل أن تدفع عنك الملل. لكن ماذا سيكون الوضع لو كان الملل تجربة مفيدة تحثنا على عرض إبداعنا أو أفكارنا العميقة؟

هنا ملخص لدراستين حديثة: في الدراسة الأولى، سأل الباحثون أشخاصًا تحت الدراسة أن يفعلوا شيئًا مملّا، كأن ينسخوا الأرقام من دليل الهاتف، وبعدها يخضعون إلى اختبارات تقيس التفكير الإبداعي لديهم كابتكار استخدامات جديدة لكوبين على سبيل المثال. ماذا كانت النتيجة؟ المجموعة التي أصابها الملل قدّمت أفكارًا أكثر من المجموعة التي لم تُصاب بالملل، وكانت أفكارهم أكثر إبداعية. وفي الدراسة الثانية، اتضّح أن الأفراد الذين خضعوا لإختبار كلمات من “التفكبر الترابطي” قدّموا إجابات أكثر عندما أُجبروا على مشاهدة شاشة تعرض صُورًا مملة.


من الممكن أن يُولد الإبداع من الملل وذلك لأن العقل القلق يتعطّش للمحفزّات والأنشطة. ربما تخلق فسحة الملل هذه حركة تدفعك نحو المعرفة. يقول هيثر لنش، عالم النفس في جامعة تكساس أي اند أم، أن “الملل يتحول إلى حال من البحث والسعي، لأن ماتفعله الآن ليس مُرضيًا بالنسبة إليك، فبالتالي أنت تبحث.. أنت منشغل”.

تقول ساندي مان، عالمة النفس في جامعة سنترال لانكاشير، والتي أجرت الدراسة، أن الذهن المضجر يتحرك نحو وضعية “أحلام اليقظة”. سيُخبرك والداك بأن الأطفال الذين لايفعلون شيئًا يخترعون ألعابًا غريبة ومسلية ليتسلوا بها مثل استخدامهم لصندوق الكرتون، ومفتاح كهرباء وغيرها. فهِم الفلاسفة هذا الأمر منذ قرون، كيركيغارد قال بأن “الآلهة أحسوا بالضجر، فلذلك خَلقوا البشر”.
لكن المشكلة، والتي تُقلق علماء النفس، أننا في هذه الأيام لا نتعارك مع اللحظات البطيئة. نحن نمحوها! تقول مان “نحن نحاول أن نمحي كل لحظة ملل في حياتنا بالإستعانة بهواتفنا الذكية”. من الممكن أن يُريحنا هذا الأمر مؤقتًا، لكنه يحبس عنا التفكير العميق والذي يمكن أن يأتي من تحديقنا في الحزن. فالعبث بجوالك يُشبه “تناولك لطعام غير صحي”.

لذلك هنا فكرة نقدمها لك: في بعض الأحيان بدلًا أن تهرب من الملل، اعتمد عليه. تقول مان أن أفضل أفكارها تأتي عندما تقود سيارتها فلا تستطيع أن تمسك بجوالها.
عندما يتحدّث الكُتّاب عن استخدام برنامج “فريدوم”- برنامج الكمبيوتر الذي يحجب شبكة الإنترنت عنه أثناء عملك فلا تستطيع إستخدام الإنترنت- فإنهم يقولون أنه لمنع التشتت الذهني. لكنني أشك في أنه يُستخدم لفرض مستوى معين من الضجر في يومهم، رتابة إنتاجية مفيدة.
وهناك بالطبع ملل سيء. فالملل الجيّد يُحفزّك على رؤية نتاج ما سمّاه الفيلسوف برتراند رسل ب“الملل المثمر”. لكن النوع السيء منه، وبالعكس، يجعلك مرهقًا للدرجة التي تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء (يُسمّى بالملل البليد).

الجزء الحاسم في عصرنا هو أن نتعلم كيف نقيّم هذه النكهات المختلفة من الملل وذلك حتى نُميّز بين الملل النافع والمضر، فالنظر إلى هاتفك في لحظة ملل ليس على الإستمرار أمر سيء!


مقال كتبه كليف تومسون في مجلة “وايرد” بتاريخ ١ يناير ٢٠١٧

ما الذي تريد أن تراه في منامك؟

theformofbeauty/borrowed-dreams

theformofbeauty/borrowed-dreams


كانت جدتي تلح على جدي بترك المدينة والسفر إلى الشام خاصة أن والدتها تركت المدينة وسكنت هناك -والظاهر أن أحوال المعيشة في الشام كانت أفضل بكثير من المدينة في ذلك الوقت- وبما أن ظروف السفر في تلك الأيام كانت قاسية للغاية صار طلبها صعبًا. ومازالت جدتي تبكي وتلّح على زوجها بقولها ”ودّيني الشام! ما أبغى المدينة!” حتى رأت الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام يقول لها “والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون”.

كانت لهذه القصة – والتي قصّها عليّ أبي- في طفولتي وقع غريب على نفسي. وتحت تأثيرها، شرعتُ في قراءة كتابٍ من مكتبة أبي كان قد أُهدي إليه بعنوان “كيف ترى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام؟” كان الكتاب يستعرض حكايات لصالحين رأوا الرسول في أحلامهم. يحتوي الكتاب أيضًا على تجاربهم في تلاوة آيات وأدعية مخصوصة قبل النوم مكّنتهم بعد ذلك من الرؤية. أنهيتُ الكتاب بحماس وقرأتُ كل الأدعية والآيات والسور التي فيه- القصيرة بالطبع- ورددتها كثيرًا (كقراءة قل هو الله أحد مائة مرة، والصلاة على الرسول ألف مرة..)، ولم أر النبي في منامي. كررت ذلك في الليلة التي بعدها ولم أره حتى أصابني الملل وفترت عزيمتي فتركتها.

أصبحت الأحلام في طفولتي عالمًا مُشوّقًا للغاية. ولكي أتذكّر أحلامي الجميلة، أقوم بتدوينها فور استيقاظي حتى لا أنساها. تكوّنت لدي أوراق كُتبت بخط رديء مع العجلة حتى لا تطير أحلامي، واحتوت على خربشاتٍ عن الأحلام التي رأيتها. كنتُ أتلذذ بقراءة هذه الأوراق، أما الآن فأجدها سخيفة للغاية.

قرأتُ مرة في صفحة الأصدقاء في مجلة “ميكي” المصرية عن اختراع تسجيل الأحلام يُمكّنك من تسجيلها أثناء نومك ثم مشاهدتها عندما تستيقظ، وكم كان هذا الخبر رائعًا! فقد نشرته بين صديقاتي في المدرسة واتبعته قائلة أن الجهاز قد يأخذ وقتًا كعادة الأجهزة الحديثة في الوصول إلينا، لكن المهم أنهم اخترعوه على أي حال! بالطبع كانت صفحة الأصدقاء هذه كأخبار ال”برودكاست” الآن 🙂

ومع سكرة الأحلام، ابتعتُ من إحدى المكاتب القريبة من الحرم النبوي كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين. كان الكتاب قاموسًا يحتوي على كلمات مرتبة ترتيبًا أبجديًا، وكل كلمة لها تفسيرها. أصبحت أتصفحه كلما رأيت حلمًا ما وأقرأه بنهم، بل تطوّعت لتفسير أحلام صديقاتي في المدرسة، فالولادة تعني انفراج هم والخاتم رزق والحمل هم وهكذا. العجيب أن إحدى صديقاتي والتي تتصل بي عند رؤيتها لحلم غريب أخبرتني أن تفسيري لها يتحقق. والأعجب من ذلك أن ابن سيرين لم يُؤلف هذا الكتاب، وإنما جُمع عنه.

ثم دهشتُ لقراءة قصص عن صالحين -في كتاب “الروح” لابن قيم الجوزية- قد تواصلوا مع الأموات عن طريق أحلامهم. أخبرتُ صديقتي عن حكاية الشخصيْن الذين تواعدا في الحقيقة، ثم رأيا بعضهما في المنام. تواعدتُ أنا وصديقتي في المدرسة أن نتقابل في الحلم، تاركتيْن صديقاتنا يضحكن علينا. تقابلنا في اليوم التالي وضحكنا نحن على خيبتنا.

بعد ذلك، قرأتُ في مقدمة ابن خلدون عن “الحالومية” وهي كلمات أعجمية تُرددها قبل النوم إن أردت أن ترى شيئًا ما في منامك:
تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس
وسرعان ماتوجهتُ إلى صديقتي وأخبرتها أن نُطبق الحالومية لهذه الليلة. قرأتُ الأذكار ثم رددت الحالومية مرارًا حتى غلبني النعاس. لم أر شيئًا وكذلك صديقتي.

في السنوات الأخيرة خفّ اهتمامي بالأحلام كثيرًا. قرأتُ كتابًا لفرويد “عن الأحلام”، ورغم أن هناك بعض المنطق في الكثير من تفسيراته، إلا أنني عجبتُ من إصراره على تفسير الأحلام وإرجاعها إلى الدافع الجنسي. قرأتُ أيضًا لعلي الوردي كتابه “الأحلام بين العمل والعقيدة” وأعجبني تحليله لتأثير الأحلام في المجتمعات خاصة العربية. وأوضح أن الكثير من الناس استغلوا أحلامهم لأغراض شخصية، وكيف أن الكثير من الأحلام هي رغبات ومشاعر مدفونة تظهر للمرء عند نومه. ومن كلامه الذي استوقفني:

“إن الأستاذ سلامة موسى ينصح القارئ بأن لا يروي حلمه -مهما ظنه بريئًا- لأحد إلا إذا وثق بأخلاقه. فالحلم قد يخفي رغبة دنيئة لا يجوز الكشف عنها، بينما هو في ظاهر بريء كل البراءة”.

وبالحديث عن الأحلام، لاحظتُ وجود “صائدة الأحلام” في الأسواق الشعبية هنا:
tan-dc476-dreamcatcher-with-quartz
وهي شبكة من الخيوط والريش يعود تاريخها إلى السكان الأصليين الذي كانوا يصنعونها لأطفالهم حتى يصطادوا لهم أحلامًا جميلة طائرة في الليل، فتقع في الشبكة وتخرج من خلال الريش وتذهب للنائم. أما الكوابيس فإنها تبقى عالقة في الشبكة حتى تشرق الشمس وتتبخر كما الندى*.

أما الآن فأستطيع في كثير من الأحيان تغيير مجرى أحلامي لأني أُدرك أنني أحلم – قيل أنها تُسمى بالأحلام الواعية-. ولا أذكر متى كانت آخر مرة رأيتُ فيها كابوسًا دون أن انتبه أنني أحلم، فأُقرر حينها أن استيقظ وأوفّر على نفسي عناء تحمّل هذا الكابوس. لابد أن تاريخي مع الأحلام قد أثمرت نتائجه، فلا كوابيس بعد اليوم.

أختم هذه التدوينة بهذا الفيديو اللطيف بعنوان “لماذا نحلم؟” مدته ٥ دقائق، وبه ترجمة عربية:


الحيل التي استخدمتها شركات التجميل لإقناع النساء بأنهن لسن جميلات بما فيه الكفاية

مقال مترجم*
في أمريكا، البحث عن الجمال هو أمر مكلف للغاية. ففي كل سنة، تصرف النساء مليارات الدولارات من أجل الحصول على شعر جميل، ورموش رائعة، وبشرة حريرية ناعمة. لكن في ثقافات مختلفة، لم تكن الكثير من طرق التجميل هذه موجودة قبل قرن من الزمان. في الحقيقة إن نظرتنا للجمال الأنثوي تشكّلت بشكل أساسي من خلال الدعايات الحديثة. ولذلك، رصدنا تأريخ أكثر “العيوب” التي تواجهها المرأة الحديثة والحكايات المدهشة التي تقبع خلف كل “علاج” لهذه العيوب.

هنا قائمة بأكثر الحيل النفسية التي تُستخدم ضد النساء وتُغذى من قِبل شركات التسويق:
١- لون شعرك الطبيعي ليس جميلًا بما فيه الكفاية
tumblr_mekqm6hcej1r71c9bo1_1280Does she.. or doesn’t she?
استخدمت شركة “كليرول” والتي أطلقت مليون صبغة شعر منزلية شعارًا دعائيًا “هل هي تستخدمه.. أم لا؟” في إشارة إلى صورة امرأة ذات شعر جميل يجعلنا نتسائل ما إذا استخدمت صبغة شعر “كليرول” أم لا.

في الحقيقة كان من المتوقع أن تُحدث حملة كليرول الدعائية ضجة في الأسواق، وبالفعل ارتفع عدد النساء اللاتي يصبغن شعورهن من ٧٪ في عام ١٩٥٠ إلى أكثر من ٤٠٪ في السبعينات.
 استعرضت الإعلانات نساء سعيدات بشعورهن اللامعة والجميلة والتي كانت قبل ذلك حصرًا فقط على عارضات الأزياء اللواتي يحصلن على صبغات شعر احترافية. صرّحت الدعاية بأنه “إذا كانت لديّ حياة واحدة فقط، فدعني أعيشها كامرأة شقراء”. روّجت كليرول الصبغة الشقراء التي ستحوّل من مجرى حياتك هكذا:
11308579635_d4c5eb3a4c_b
عرضت كليرول لصبغات الشعر فكرة “التجديد” في ٢٠ دقيقة فقط لهؤلاء النسوة اللواتي لا يردن أن يصرحن بأعمارهن الحقيقية أو يظهرن بشعور بيضاء:

تكرهين هذا اللون الرمادي؟ تخلصي منه!

وصفت شيرلي بوليكوف، كاتبة الحملة الدعائية لكليرول، خطتها “لنجاح أكبر، يجب أن يشمل السوق هؤلاء النسوة اللاتي تقبّلن أشكالهن بشعر أبيض. ونستطيع إنجاز هذا الأمر عن طريق إيقاظهن مرة أخرى ومعرفة ما إذا كن غير راضيات عندما اكتشفن تلك الشعرات البيضاء”. أنجزت كليرول هذا الأمر عن طريق قولها “متى كانت آخر مرة دعاكِ فيها زوجك للخروج برفقته إلى العشاء؟” .
في هذه الأيام، هناك ٩٠ مليون امرأة في الولايات المتحدة تصبغ شعرها بحسب تقرير IBIS لعام ٢٠١٢!

٢- شعر جسدك مقزز:
في هذه الأيام يصور الإعلامُ النساء بدون شعر في أجسادهن، أو يُصبحن محل سخرية إذا أردن الإبقاء عليه. لكن من المفاجئ لنا حين نعلم أن النساء الأوروبيات والأمريكيات منذ القرن ال١٦ إلى القرن ال١٩ ميلادي كن يُبقين شعر أجسادهن.

ما الذي تغيّر؟ تقول الباحثة كريستين هوب بأن الإجابات تكمن في الدعايات والموضة. ففي عام ١٩١٥، تفجرت الدعايات التي تُحذر النساء من الإبقاء على شعر إباطهن بأنه أمر غير أنثوي، فيجب عليهن إزالته حتى يُصبح ناعمًا مثل ملمس الوجه. سمّت هوب هذه الدعايات “الهجوم على الإبط”:
w1408
بعد ذلك، تفجّرت دعايات أخرى تُشجع النساء على حلق أرجلهن حتى يُصبحن جذابات أكثر عندما يرتدين الجوارب وملابس السباحة. وبنهاية الحرب العالمية الثانية، كانت حلاقة شعر الجسد هي أمر مُتوقع من النساء الأمريكيات. استمرت الدعايات في الستينات والسبعينات تُصور شعر الجسد بأنه أمر غير أنثوي:
w1408%d9%a3
أما إزالة شعر منطقة البكيني فبدأ في عام ١٩٤٦، وظهر معه الشمع البرازيلي الذي اُستورد إلى الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، وأصبحت له شعبية بفضل الدعايات في التسعينات.

أما اليوم، فإزالة شعر العانة أصبح أمرًا أساسيًا في أوساط النساء الأمريكيات: ٨٠٪ من النساء بين السن ال١٨ وال٣٤ يُزلن على الأقل بعضًا منه، وبحسب إحدى الدراسات فإن العديد منهن يرغبن في التماشي مع المعايير الإجتماعية السائدة وأن يظهرن بشكل أُنثوي أكثر. حتى الآن، فإن الحملات الدعائية لمنتجات إزالة الشعر مثل دعايات “فيت” تستهدف نفس الفئة التي كانت تُستهدف قبل قرن تقريبًا.

٣- بشرتكِ غامقة جدًا:
خلال نهاية القرن ال١٩ وبداية القرن العشرين، ازدادت شعبية الكريمات المُفتحة للبشرة بين النساء السود في الولايات المتحدة. وغدى تبييض البشرة الداكنة أكثر من مجرد طقس تجميلي، فهي طريقة رمزية تدل على الحياة في وسط مجتمع عنصري حيث يُلاقي فيه ذوي البشرة الفاتحة نسبيًا من السود معاملة أفضل من غيرهم. فجّر المسوقون هذه الإشكاليات العنصرية في صناعة الجمال، يعدون فيه المرأة بأنهن يستطعن أن “يجدن مناصب اجتماعية أعلى، ويتزوجن بشكل أفضل، ويتعايشن مع غيرهن بشكل أحسن” ويُصبحن جميلات أكثر ببشرة أفتح من بشرتهن الحالية. وفي عام ١٩٤٤ ظهر هذا الإعلان الذي يقول بأن البشرة الأفتح هي الأجمل:

Advertisement for Nadinola bleaching cream, 'for lovelier lighter skin,' New York, New York, 1944. (Photo by Fred Stein Archive/Archive Photos/Getty Images)

(Photo by Fred Stein Archive/Archive Photos/Getty Images)

كانت المنتجات هذه في حد ذاتها خطيرة لاحتوائها على مادة الهيدروكينون الكيميائية، والتي تُستخدم في تطوير الصور الفوتوغرافية (هذه المادة الكيميائية حُظرت في استراليا، وفي دول الإتحاد الأوروبي، وفي اليابان، لكنها بقيت بشكل قانوني في الولايات المتحدة).

في خلال الستينات والسبعينات، تراجعت شعبية سوق كريمات تبييض البشرة بظهور حركة التحرير “الأسود هو الجمال”. شجّعت هذه الحركة الأشخاص السود ودعتهم إلى الإقتناع بملامحهم الطبيعية بدلًا من الجري وراء معايير ذوي البشرة البيضاء. سارعت شركات التجميل إلى التلطيف من لهجتها، وتحوّلت جملة “تبييض البشرة” إلى “بشرة مُشرقة”. تعهّد الإعلان في عام ١٩٦٢ النساء بالحصول على بشرة مشرقة وفاتحة حتى في الأيام الممطرة، دون ذكر الأعراض الجانبية لمادة الزئبق المسمومة.
13585209794_c8edaf15c5_b
اليوم، تستمر النساء في استخدام مبيضات البشرة حول العالم وخاصة في أفريقيا، الهند وباكستان. ومن المُتوقع أن تصل نسبة الشراء السنوية حول العالم إلى ١٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠١٥، على الرغم من أن هذه المنتجات لها أعراض جانبية خطيرة.

٤- بشرتك فاتحة جدًا:
في بداية القرن العشرين، أصبحت “حمامات الشمس” وصفة طبية شائعة بين الأطباء للقضاء على أمراض عديدة. استغلت شركات التسويق هذه المنافع الصحية وخلقت اعتقادًا- كما ظهر في مجلة هاربر بازار في عام ١٩٢٩- “إذا لم تحصل على بشرة سمراء، فأنت لست جزءًا من هذه اللحظات…””
بعد هذا الإعلان مباشرة، بدأت شركات التجميل ببيع كريمات ال”تشميس”. يعتقد بعض الباحثين أن موضة التشميس خلقت سوقًا تجميليًا جديدًا، ووفّرت حافزًا تسويقيًا من أجل أن تكون البشرة البرونزية معيارا جماليًا أمريكيًا. وبقي هذا المعيار كذلك، ففي السبعينات لم تُوقف التحذيرات الصحية -بشأن المخاطر التي يجلبها التعرض للشمس كالإصابة بالسرطان- هذا الهوس بالتشميس. وبدلًا من ذلك، وفّرت فرصًا كثيرة لشركات التجميل من أجل ترويج منتجات تتعهد بتوفير حماية ضد الشمس، أو تُزود النساء ببشرة سمراء مُزيفة (تشميس منزلي) كالتي يحصلون عليها عند تعرضهن للشمس:
177dacb81fdf4def1e09d47a87634eae
تواصل التحذيرات الطبية في توعية الناس بخطر التعرض الزائد للشمس. أما البحث عن بشرة برونزية جميلة لم يتوقف، فمنذ عام ٢٠٠٠، ازداد عدد منتجات التشميس المنزلي بشكل كبير ومن المتوقع أن يستمر كذلك في الخمس سنوات القادمة.

٥- ال”سيلولايت” مؤذية للعين، ويجب أن نزيلها!
حتى عام ١٩٨٣٠، كانت النساء ذوات الأجسام الممتلئة هن أكثر جمالًا، وكن يظهرن بأجسامهن الممتلئة في لوحات الرسامين بانحنائاتهن وب”السيلولايت” أيضًا. لكن في منتصف القرن العشرين، تغيّر شكل الجسد الأنثوي المثالي وأصبح أكثر رشاقة. وفي خلال نفس الفترة، أصبح ال”سيلولايت” عدو رئيسي للجسد الأنثوي المثالي.
في عام ١٩٦٨، أعلنت مجلة فوج أن “كلمة السيلوليت عبرت المحيط الأطلنطي مثل الأسماك المهاجرة” |إشارة في أن الكلمة فرنسية جاءت من أوروبا|. سخر بعض أعضاء المجتمع الطبي من القلق المفاجئ تجاه السيلولايت وقالوا أنه “مرض مُبتدع”. يُصيب السيلولايت حوالي ٨٠ إلى ٩٠ من النساء، وأصبحت مكافحته بل والسخرية منه هوس أمريكي. فلأن تكوني أمريكية مشهورة مصابة بالسيلولايت يُعد جريمة!:
1119082970_96500599c3_b
في عام ٢٠١٤، بقي السيلوليت عدو لا يُقهر، واستمرت النساء في صرف أموال كثيرة على مستحضرات تجميل لم تُختبر بشكل كاف، وليست مُجدية على وقت طويل.

٦- أظافرك غير المُشذبة بشعة:
أنتج نورثام وارن مايمكن أن يُطلق عليه بأول مُشذب للأظافر ومزيل لطلاء الأظافر في عام ١٩١١. وأطلق أيضًا حملة دعائية أنتجت سوق طلاء الأظافر الحديثة. حذّرت الدعاياتُ النساء من الأظافر المقصفة وغير المشذبة إذ أنها تجلب لهن الشعور بالإحراج أمام الناس. تفجّرت الأرباح من ١٥٠ ألف دولار في عام ١٩١٦ إلى ٢ مليون دولار في عام ١٩٢٠! فالأظافر المرتبة والمشذبة هي طريقة للإفصاح عن الثراء والأناقة، وتُثبت أنكِ أرقى من الطبقة العاملة المتواضعة. وإذا فكرتِ بأنكِ تنجحين في إخفاء هذه الأظافر غير المرتبة، فهذا الإعلان في عام ١٩٢٣ يخبركِ بشيء آخر:
w1408
في عام ١٩١٢، ربع النساء الأمريكيات فقط كن يستخدمن مستحضرات التجميل الخاصة بعناية اليدين والأظافر، لكن في عام ١٩٣٦، ارتفع عددهن إلى ثلاثة أرباع. وخلال الحرب العالمية الثانية، ناشدت شركة كيوتكس لطلاء الأظافر الفخر الوطني للنساء:
8ad67f299fe15fde49a914b62fc425ba

اليوم، أصبح طلاء الأظافر وصالونات الأظافر هي الغذاء الرئيسي لجمال النساء. وفي عام ٢٠١٢، أنفقت الأمريكيات حوالي ٧٦٨ مليون دولار عليها!

٧- رموشك ليست طويلة بما فيه الكفاية!

خلال التاريخ، اعتدن النساء على تكحيل رموشهن بالسواد بمختلف الوسائل عن طريق إستخدام نبات البلسان إلى مواد صمغية كالإرتنج، لكن ال”ماسكرا” لم تظهر حتى القرن العشرين، عندما أوجد تي إل ويليامز شركة ميبيلين. اجتاحت الماسكرا التي كانت تُكلف حوالي ال١٠ سنت من ميبيلين أمريكا. وبينما كانت الأصباغ التجميلية “المكياج” غير أخلاقية عند البعض، جعلتها مشاهير هوليوود رائعة في نظر الجميع. وُعدت النساء بالحصول على رموش مُغرية كالتي عند شخصياتهن الهوليوودية المفضلة، كما صرّح هذا الإعلان في عام ١٩٢٩ في مجلة “موشن بكتشر”:
screen-shot-2017-02-23-at-7-58-14-pm
بعد ذلك، ظهرت العديد من منتجات ال”ماسكرا”، وبدأت شركات التجميل بالإعلان عن الماسكارات التي تُطوّل وتُكثّف الرموش. تعرضّت كبرى شركات التجميل هذه إلى انتقادات واسعة بسبب إعلاناتهم المُضللة، حيث أن بعضهم استخدم رموشًا اصطناعية على عارضات الدعايات!

وعلى الرغم من ذلك، ازداد الطلب على الرموش الطويلة وانتعشت الأسواق المخصصة لها. أخبرتنا نانسي ليونتر، مديرة تحرير ون ستوب بلس دوت كوم أنه “قبل خمس سنوات، كانت الرموش التي لديكِ هي رموشك الطبيعية، لكنك تضعين عليها الماسكرا. أما اليوم، فإنك تضعين رموشًا اصطناعية، وتستخدمين الأدوية التي تُطوّل الرموش، ولدينا هوس شديد بالرموش !”

 


مقالة ترجمتُها من هافنغتون بوست عن الإنجليزية، كتبَتها “أماندا شيركر” ونُشرت بتاريخ ٢٩ أبريل ٢٠١٤، الصور الموجودة في هذه التدوينة هي من نفس المقالة أيضًا
7 Ways The Beauty Industry Convinced Women That They Weren’t Good Enough


تدوينة أخرى ذات صلة:
الحقيقة البشعة وغير العادلة عن الجمال

لستُ صغيرة

c59ae5aa2777a400568027c69758b321

My Modern Met


في طفولتي كنت أتعجب من الكبار الذين يوجهون الكلام إلي باعتباري طفلة صغيرة في السن، فكيف استنتجوا أصلًا أني صغيرة؟
لم أكن أدرك ببساطة أن جسدي حينها صغير الحجم، وأن ملامحي-بالطبع- طفولية. كنت أرى نفسي كالكبار، فأنا لا أصرخ كالأطفال ولا أتصرف مثلهم كما أعتقدت، وتغيظني جملة “عندما تكبرين سوف تعرفين معنى..” لأني مثلكم أيها الكبار لستُ صغيرة، وأعرف كل شيء، ولديّ معلومات قيّمة تعلمتها من صفحة الأصدقاء في مجلات ميكي وماجد، بل واقرأ من كتب أبي أحيانًا.

حتى العين السحرية على الأبواب، كنتُ أؤمن بأنها صُنعت لطوال القامة! اعتقدت بأنني قصيرة فقط ولم يخطر في بالي يومًا أنني سوف (أكبُر) وأتمكن من الرؤية خلالها. ماهذا؟ ألم أنظر إلى نفسي في المرآة؟ لا أدري، لم أكن استخدم المرآة إلا من أجل تنظيف أسناني!

كانت لدينا طاولة حمراء صغيرة وكراسي نستخدمها أنا وأختي في اللعب والرسم، كما كنا نستعرض الحلويات عليها ونقسمها أو نتبادلها فيما بيننا.
image1
كان منظر الحلويات رائعًا وكنا نستلذ برؤيتها مرصوصة فوق الطاولة. كنت أدعو البالغين إلى الجلوس على الطاولة عندما يلعبون معي، فيخبرونني بأن الكرسي صغير عليهم. صغير؟ أعتقدتُ بأن المشكلة كانت بالأحرى مع أوزانهم. بعد سنوات عديدة، كانت دهشتي عظيمة عندما اكتشفت بأن الكرسي ضاق بي ولم أستطع الجلوس عليه كما اعتدت، لقد كبرتُ حقًّا!

ذات يوم وبعد أن دهنت أمي رأسيْنا بالزيت من أجل أن نستحم لاحقًا، اشتهينا أنا وأختي حلوى كانت تُباع في البقالة الملاصقة لبيتنا. توفر لدينا مبلغ من المال تبقى من مصروف المدرسة. قرارنا كان سريعًا إذ ذهبنا إلى البقالة على الفور بصحبة السائق الجديد، وبشعورنا المُزيّتة والمرفوعة. وضعت أمي يدها على رأسها عندما رأتنا قادمتيْن ومحملتيْن بأكياس هزيلة من البقالة.
أين كنتما!؟
في البقالة! اشترينا بعض الحلويات!
بالطبع استمعنا إلى محاضرة طويلة من أمي وأبي. فكيف نخرج هكذا بدون استئذان وبصحبة رجل غريب؟ كان استغرابنا الأشد أنه ما الحاجة إلى كل هذا، وكيف نستأذن والبقالة قريبة من البيت؟ لسنا صغارًا!

مع مرور الأعوام، توقّفت عن الإدعاء بأنني كبيرة في السن، لم أعد صغيرة. لستُ صغيرة، لم أعد استعرض حلوياتي، ولا أعرف كل شيء كما كنت أعتقد في طفولتي. وبت أفهم جيّدا لم يتضايق بعض الأطفال عندما يتجاهلهم الكبار ويستصغرونهم.

قبل أيام استخدمت تطبيق “أوبر”، وكم كانت فرحة السائق الجزائري كبيرة عندما علم بأنني عربية، إذ أخذ يُحدّثني عن مساوئ الغربة، وأخبرني بأنه لايستطيع أن يقيم حوارًا مع كندي غريب عنه بسهولة -فيما عدا الحوارات السطحية التي تدور حول الطقس-، بينما يستطيع أن يتحدث إلى أي عربي لاشتراكه معه في الثقافة والعروبة والإسلام. أراد أن يُقرّب لي المعنى ليقول أنه على الرغم من الفارق الكبير بين عمره وعمري، إلا أنه يستطيع أن نتحدث في مواضيع مشتركة بسهولة، فسألني:
-كم عمرك يانجلاء؟ ٢٢ سنة؟
-شيء زي كذا
-زي كذا؟ ااه قالوا ماتسأل المرأة عن عمرها، سبحان الله.. المرأة مخلوق عجيب! هاها

مخلوق عجيب؟ غفرت له، فقد قدّر أنني أبلغ من العمر ٢٢ سنة!

لماذا الألمان هم الأفضل في التعبير؟

نعتمد بشكل كبير على اللغة للتعبير عما نفكر ونشعر. لكن بعض اللغات هي أفضل من غيرها في تسمية المشاعر. فالألمان عباقرة فيما يتعلق بابتداع كلمات طويلة – نسميها نحن كلمات مركبة- والتي تكشف لنا عن المشاعر التي ندركها جيدًا بينما تتطلب اللغات الأخرى جملًا طويلة للتعبير عنها.

هنا بعض الإختيارات لأفضل الكلمات المركبة الألمانية:

deutsch-doodles.tumblr.com

deutsch-doodles.tumblr.com


ohrwurm
دودة الأذن
هذه الكلمة تعبّر عن الأغنية التي تكررها في نفسك وتسمع لحنها داخل رأسك ولا تستطيع أن تُخرجها منه.

 Futterneid
الغيرة في الطعام
هذه الكلمة تشرح حالتك عندما تكون في مطعم تتناول الطعام برفقة آخرين وتشعر حينها بأن أطباقهم التي طلبوها هي ألذ من طبقك كثيرًا. من الممكن أنك تحاول بأن تكون قنوعًا وراضيًا بما لديك، لكنك تعاني الآن. هذه الكلمة تُعبّر عن أكثر مايدور في خواطرنا، فليست فقط للمطاعم وإنما هي ذلك الشعور الذي يأتينا بأننا أمضينا أغلب أوقاتنا في طلب أمور غير مناسبة لنا في الحياة.

Weltschmerz
الحزن الوجودي

كلمة تعني بأننا في بعض الأحيان نكون تعساء ليس بشأن هذا الأمر أو ذاك، لكن بسبب وجودنا في هذا العالم. وجود هذه الكلمة في الثقافة الألمانية توضّح أن هذه الثقافة ليست سعيدة على نحو زائف، لكنها تتناول المأساة بشكل واقعي. من المريح أن تُخبر صديقك أن بقاؤك تحت اللحاف سببه أنك تعاني من الحزن الوجودي.

Kummerspeck

التخمة بسبب الحزن
عندما يكون المرء تعيسًا، فإنه ليس هناك شيء أكثر تعزية له ببساطة من أن يذهب إلى المطبخ ويأكل.

Fernweh
كلمة تعني المعاناة من البقاء في محيط مألوف، والرغبة الشديدة في السفر بعيدًا إلى ماوراء جبال الألب، ومن الممكن إلى جنوب الأرض حيث لايعرف أحد اسمك.. كأن تستيقظ على أصوات أجراس غريبة من المعابد.
كلمة تعني الإعتراف بأننا دائمًا مانتوهم بأن الحياة هي في مكان آخر غير هذا المكان.

Backpfeifengesicht

deutsch-doodles.tumblr.com/

deutsch-doodles.tumblr.com/

الوجه الذي يحتاج لأن يُصفع. إكرام الآخرين أمر مهم، لكن الألمان واضحين بما فيه الكفاية للتعبير أن هناك لحظات تود أن تكون فيها صريحًا لتعترف أن الذي يقابلك هو شخص أحمق.

Luftschloss
حرفيًا تعني قلعة في الهواء، أي الحلم الذي لا يمكن تحقيقه. هذه الكلمة تدل على أن الثقافة الألمانية متسامحة للغاية تجاه الأحلام الكبيرة، لكنها أيضًا واقعية لأنها تدرك بأنها صعبة المنال.

Schadenfreude
التشمت بالآخرين
نقول أننا نحزن عندما يفشل الآخرون، لكن الألمان هم أكثر حكمة عندما يخبروننا أننا قد نشعر بالسعادة لمصائب الآخرين، وهذا لا يعني بأننا أشخاص لئيمين، لكننا نشعر بالراحة عندما نشهد معاناة الناس كتأكيد لنا أن الحياة قاسية على الآخرين كما هي قاسية بالنسبة لنا.

 Frühjahrsmüdigkeit
التعب من الربيع
من المفترض أن نفرح جميعًا بقدوم الربيع، لكن بالطبع هناك بيننا من يجده أمرًا تعيسًا لعودة الحياة والآمال.
هذه الكلمة تعبر عن مدى صعوبة الشخص بأن يكون متفائلًا في أكثر أوقات السنة سعادة.

Verschlimmbesserung
التحسّن للأسوأ
نحاول كثيرًا أن نحسن أمورنا، لكننا نجلب مع تلك المحاولات مصاعب غير متوقعة. هذه الكلمة تؤكد أن أعمالنا نادرًا ما تتقدم على النحو الذي نخطط له.

Lebensmüde
التعب من الحياة
نحن نؤمن بأننا متمسكون بالحياة بشدة، لكن الكثير من سلوكياتنا تؤكد على أمر أكثر قلقًا: الرغبة بين حين إلى آخر في التخلي عن التمسك بوجودنا. هذه الكلمة مفيدة لاستخدامها في الأيام التعيسة عندما نشعر أنه لا شيء سيمضي على مايرام.


Ruinenlust
 الإنفعال عند رؤية الأطلال
تعني البهجة التي يشعر بها الشخص عندما يرى الأطلال. فالقصور المتهدمة وأنقاض المعابد تثير أشجاننا أمامنا وتحثنا على الحزن بطريقة ممتعة.


Treppenwitz
أفضل مقولاتنا التي نقولها لا تأتي في خضم نقاش ثقافي، بل عندما نهبط من الدرج متجهين نحو منازلنا، أي متأخرًا بعد أن نترك النقاش. هذه الكلمة تعبر عن الأشياء التي تود أن تقولها بعد فوات الأوان.

Torschlusspanik
الهلع من إغلاق البوابة
الخوف الذي يشعر به المرء عندما يتقدم بالسن، أن الوقت يمضي بسرعة وبالتالي تفوته فرص كثيرة.


Handschuhschneeballwerfer
الجبان الذي ينتقد ويسيء للآخرين وهو بعيد عنهم في مكان آمن.




Sitzfleisch
تصف ميزة شخصية في التحمّل، وتعني حرفيًّا القدرة على الجلوس وتحمل كل ماهو ممل وشاق ومؤلم لفترة طويلة.

Kopfkino
نحن مخرجون سينمائيون داخل عقولنا، نُصوّر أفلامًا قصيرة ننظم فيها بالضبط مانريد قوله، ونستغل الفرصة عندما نستطيع. هذه الكلمة تعني أن هناك قلة مننا فقط يستطيعون أن يكونوا فعّالين ومخرجين رائعين خارج رؤوسنا.

Schattenparker
أغلبنا لديه لحظات جُبن، الكلمة تعني الإختباء في الظلمة. ولدى الألمان كلمة أخرى تعني تسليط الضوء على هذا الجبان.

Bildungsroman
رواية تعليمية عن الحياة
الثقافة الألمانية مليئة بنوع مميز من الرواية التي نتابع فيها نضوج الشخصية الأساسية في الحب والعمل. هذا النوع من الروايات يقدم الإجابة لما يجب أن تكون عليه الرواية. ففي التقاليد الألمانية، المغزى من هذه الروايات هي أن تعلمنا كيف نعيش.

 Drachenfutter
طعام التنين هي هدية يقدمها الشخص لزوج إحداهن|زوجة أحدهم لتهدئة غضبه تجاه خطأ قد ارتكبه الشخص. فإذا اُكتشفت هذه العلاقة، يجب على الشخص أن يطبخ الكثير من طعام التنين.






 Fremdschämen

الشعور بالفشل عن الآخرين
كلمة مليئة بالشفقة والتي تصور المعاناة التي يشعر بها المرء تجاه شخص آخر عندما يفشل أو تحدث له مصيبة محرجة. المقدرة على أن تشعر بمعاناة الآخرين أمر أخلاقي رفيع في منتهى اللطافة.

Erklärungsnot
الصعوبة عند التوضيح
حرفيًا، تعني هذه الكلمة: الكرب الذي ليس له تفسير. أفضل طريقة لشرح هذه الكلمة هو أن تتخيل نفسك طفلًا رآك أحد والديك وأنت تضع يدك في الجرة بسرعة لأخذ قطعة من البسكويت ويجب أن تفسر ما الذي تفعله. النتيجة ستكون كذبة أو تفسير مُضحك. بشكل أوضح، هي كلمة تعبر عما نشعر به عندما نُدرك أنه ليس لدينا أي تفسير للأسئلة الكبيرة في الحياة.


*مترجمة عن
Why Germans Can Say Things No One Else Can
و
10 fabulous German words with no English equivalent
بتصرّف