كيف (لا) تتقدم في السن

هذه مقالة كتبها برتراند رسل، الفيلسوف والرياضي الإنجليزي والذي تُوفي عن عمر يناهز السابعة والتسعين، عن التقدم في السن، ترجمتها لكم

كيف تتقدم في السن؟

بغض النظر عن العنوان، سيكون المقال بالأحرى عن “كيف لا تتقدم في السن؟”، والذي اعتبره موضوعًا مهمًا بالنسبة إلى سني. أول نصيحة أقدمها هي يجب أن تختار أجدادك بعناية: على الرغم من أن أبوي ماتا في سن مبكرة، إلا أنني أبليتُ بلاء حسنًا في اختياري لأجدادي. فجدي لأمي، توفّي بعمر الزهور في سن ال٦٧، لكن أجدادي الآخرين قد عاشوا حتى سن الثمانين. اكتشفت أن أحد أجدادي القدماء قد توفي بمرض يعتبر الآن نادر، فقد قُطعت رأسه. والدة جدتي، والتي كانت صديقة لجيبون “المؤرخ الإنجليزي”، قد عاشت إلى سن الثانية والتسعون، وكانت إلى آخر يوم في حياتها مصدر رعب للكثير من أحفادها. منذ أن صارت جدتي لأمي -والتي كان لديها ٩ أطفال بالإضافة إلى طفل توفي مبكرًا والعديد من الإجهاضات- أرملة وهي تضحي بنفسها من أجل تعليم المرأة. فقد كانت من أحد مؤسسي كلية جرتون، وعملت بجد من أجل أن يتاح المجال الطبي للنساء. اعتادت جدتي أن تخبرنا كيف أنها قابلت في إيطاليا شيخًا كانت التعاسة تبدو على ملامحه، فسألته عن هذا الحزن وأخبرها بأنه للتو قد افترق عن اثنين من أحفاده.

“يا إلهي.. لديّ ٧٢ حفيدًا، ولو حزنتُ في كل مرة أفترق فيها عن أحدهم لابد وأنني كنت سأصبح تعيسة جدًا”.
 فقال لها الرجل – بالإيطالية- “إنكِ أم غير طبيعية!”

.
ولكوني أحد هؤلاء ال٧٢ حفيدًا، أستطيع أن أقول بأنني أُفضّل وصفتها. فبعد سن الثمانين وجدَت جدتي بعض الصعوبة في النوم، لهذا كانت تقضي وقتها منذ منتصف الليل إلى الساعة الثالثة فجرًا في قراءة العلوم المُبسّطة. لا أظن أنه كان لديها من الوقت لأن تلاحظ بأنها تتقدم في السن. لذلك، أعتقد بأن هذه الوصفة هي الطريقة الناجحة في البقاء شابًا. إذا كانت لديك اهتمامات واسعة ونشاطات كثيرة تمارسها، فلن يصبح لديك وقت للتفكير في أرقام السنوات التي عشتها، ناهيك عن التفكير بالسنوات القصيرة المتبقية في المستقبل.

وبالحديث عن الصحة، لا أستطيع أن أفيدكم بشأن ذلك خاصة لأن خبرتي بالأمراض قليلة. فأنا أشرب وآكل كما يحلو لي، وأنام عندما لا أستطيع أن أبقى مستيقظًا. لا أفعل أي شيء من أجل الصحة على الرغم من أن أغلب ممارساتي هي ممارسات صحية.

على الصعيد النفسي، هناك أمران خطيران يجب أن يُجتنبا مع تقدم السن. أولهما هو الإنهماك المفرط بالماضي من العيش في الذكريات، أو الندم على مافات، أو الحزن على الأصدقاء الذين ماتوا. يجب أن تكون أفكار المرء موجهة نحو المستقبل، ونحو الأشياء التي لابد وأن تُنجز. بالطبع هذا الأمر ليس سهلًا على الدوام، فماضي أي شخص يزداد ثقله مع مرور الأيام، ومن السهل التفكير بأن مشاعر المرء كانت أكثر حيوية في الماضي، وبأن عقله كان أكثر اتقّادًا في شبابه. فإن صحّ هذا الأمر، فيجب أن يُنسى، يجب أن يتناساه المرء حتى يصبح غير صحيحًا.

الأمر الثاني الذي يجب اجتنابه هو التشبّث بالشباب أملًا في الحصول على بعضٍ من حيويتهم. عندما يكبر أطفالك فإنهم يريدون أن يعيشون حياتهم كما يرغبون، وإن استمريت في أن تكون مهتمًا بهم كما لو كانوا صغارًا فإنك بالأحرى سوف تصبح حملًا ثقيلًا عليهم، إلا إذا كانوا شديدو التحمل. لا أعني بأنه لا يجدر بك الإهتمام بهم على الإطلاق، ولكن الإهتمام يجب أن يكون بالتفكير فيهم، واهتمامًا إنسانيًا ولكن ليس عاطفيًا على نحو لا يُحتمل. إن الحيوانات تُصبح لا مبالية بأطفالها إن هم كبروا واستطاعوا أن يهتموا بأنفسهم، لكن البشر، وبسبب طول فترة الطفولة، يتعلقون بأطفالهم فيجدون ذلك صعبًا عليهم.

أعتقد بأن التقدم في السن بشكل مُوفّق هو أسهل بالنسبة إلى هؤلاء الذين لديهم اهتمامات غير شخصية تنطوي على نشاطات ملائمة. فمن خلال هذه الاهتمامات تصبح الخبرة الطويلة مفيدة، ويستطيع المرء أن يستخدم حكمته الناشئة عن خبرته من غير أن تُظلم. لا يفيد إخبار هؤلاء الأطفال الكبار بأن يجتنبوا إرتكاب الأخطاء، لأنهم لن يصدقوك، ولأن الأخطاء هي جزء من التعليم. ولكن إذا كنت واحدا من هؤلاء العاجزين عن إيجاد اهتمامات غير شخصية، فسوف تجد أن حياتك أصبحت بلا معنى إلا إذا كانت تدور حولك وحول أطفالك وأحفادك. وفي هذه الحالة، من المهم أن تدرك بأنك طالما استطعت أن تخدمهم ماديًا كأن تعطيهم مصروفا أو تحيك لهم سترة، فيجب عليك أن لا تتوقع منهم أن يستمتعوا بصحبتك.

استنزف الخوفُ من الموت بعضَ كبار السن. ففي مرحلة الشباب، هناك سبب منطقي لهذا الشعور، فالشباب الذين يخافون أن يُقتلوا في معركة نستطيع أن نبرر شعورهم المرير بأنهم تعرضوا للخداع من أفضل الأشياء التي لابد أن تمنحها الحياة. ولكن في حالة الرجل كبير السن والذي عرف متع الحياة وآلامها، وأنجز في حياته بعض الأعمال، يصبح الخوف من الموت أمر حقير ووضيع. وإن أفضل طريقة لتجاوز هذا الخوف – كما يبدو لي- هي أن توسّع دائرة اهتماماتك وأن تجعلها غير شخصية على قدر الإمكان، حتى تنحسر جدران الأنا شيئًا فشيئًا، وتصبح حياتك مندمجة بشكل أكبر مع العالم. يجب أن يكون وجود الإنسان على الأرض مثل النهر: صغيرًا في بدايته، وتكون ضفتيه على الجانبين ضيقة، ثم يتجاوز الصخور والشلالات بسرعة، إلى أن يتّسع النهر وتبتعد ضفافه، فيفيض الماء بهدوء أكبر، وفي النهاية، دون أي انقطاع ملحوظ، يندمج النهر مع البحر، ويخسر فرديته من غير ألم.
لن يعاني الرجل كبير السن، القادر على أن ينظر إلى حياته بهذا المنطق، من الخوف من الموت حيث أن الأشياء التي يهتم بها سوف تستمر. وحتى لو تدهورت عافيته، وازداد ضعفه، فإن فكرة الراحة الأبدية لن تصبح غير مرحب بها. أرجو أن أموت وأنا في عملي، عالِمًا بأن غيري سيُكمل مالم أستطع إكماله، وأرجو أن أكون راضيًا عن فكرة أنه كل ما كان بوسعي أن أفعله قد فعلته.

Advertisements

شاركني رأيك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s