لماذا يجعلك الملل أكثر إبداعًا؟ – مقال مترجم

Zohar Lazar

“أكاد أموت من الملل!”

اشتكت الزوجة حديثة السن يلينا في مسرحية تشيكوف (العم فانيا) من الملل قائلة “لا أدري ماذا أفعل”.
إذا كانت يلينا حية اليوم، فبالتأكيد سوف تخفف من مللها هذا بالعبث في جوالها: تبحث عن أمر مسلي في تويتر أو بزفيد أو لعبة “كلاش أوف كلانس”. 
إذا أصبحت لديك مُسليّات لاتُحصى في جيبك، فمن السهل أن تدفع عنك الملل. لكن ماذا سيكون الوضع لو كان الملل تجربة مفيدة تحثنا على عرض إبداعنا أو أفكارنا العميقة؟

هنا ملخص لدراستين حديثة: في الدراسة الأولى، سأل الباحثون أشخاصًا تحت الدراسة أن يفعلوا شيئًا مملّا، كأن ينسخوا الأرقام من دليل الهاتف، وبعدها يخضعون إلى اختبارات تقيس التفكير الإبداعي لديهم كابتكار استخدامات جديدة لكوبين على سبيل المثال. ماذا كانت النتيجة؟ المجموعة التي أصابها الملل قدّمت أفكارًا أكثر من المجموعة التي لم تُصاب بالملل، وكانت أفكارهم أكثر إبداعية. وفي الدراسة الثانية، اتضّح أن الأفراد الذين خضعوا لإختبار كلمات من “التفكبر الترابطي” قدّموا إجابات أكثر عندما أُجبروا على مشاهدة شاشة تعرض صُورًا مملة.


من الممكن أن يُولد الإبداع من الملل وذلك لأن العقل القلق يتعطّش للمحفزّات والأنشطة. ربما تخلق فسحة الملل هذه حركة تدفعك نحو المعرفة. يقول هيثر لنش، عالم النفس في جامعة تكساس أي اند أم، أن “الملل يتحول إلى حال من البحث والسعي، لأن ماتفعله الآن ليس مُرضيًا بالنسبة إليك، فبالتالي أنت تبحث.. أنت منشغل”.

تقول ساندي مان، عالمة النفس في جامعة سنترال لانكاشير، والتي أجرت الدراسة، أن الذهن المضجر يتحرك نحو وضعية “أحلام اليقظة”. سيُخبرك والداك بأن الأطفال الذين لايفعلون شيئًا يخترعون ألعابًا غريبة ومسلية ليتسلوا بها مثل استخدامهم لصندوق الكرتون، ومفتاح كهرباء وغيرها. فهِم الفلاسفة هذا الأمر منذ قرون، كيركيغارد قال بأن “الآلهة أحسوا بالضجر، فلذلك خَلقوا البشر”.
لكن المشكلة، والتي تُقلق علماء النفس، أننا في هذه الأيام لا نتعارك مع اللحظات البطيئة. نحن نمحوها! تقول مان “نحن نحاول أن نمحي كل لحظة ملل في حياتنا بالإستعانة بهواتفنا الذكية”. من الممكن أن يُريحنا هذا الأمر مؤقتًا، لكنه يحبس عنا التفكير العميق والذي يمكن أن يأتي من تحديقنا في الحزن. فالعبث بجوالك يُشبه “تناولك لطعام غير صحي”.

لذلك هنا فكرة نقدمها لك: في بعض الأحيان بدلًا أن تهرب من الملل، اعتمد عليه. تقول مان أن أفضل أفكارها تأتي عندما تقود سيارتها فلا تستطيع أن تمسك بجوالها.
عندما يتحدّث الكُتّاب عن استخدام برنامج “فريدوم”- برنامج الكمبيوتر الذي يحجب شبكة الإنترنت عنه أثناء عملك فلا تستطيع إستخدام الإنترنت- فإنهم يقولون أنه لمنع التشتت الذهني. لكنني أشك في أنه يُستخدم لفرض مستوى معين من الضجر في يومهم، رتابة إنتاجية مفيدة.
وهناك بالطبع ملل سيء. فالملل الجيّد يُحفزّك على رؤية نتاج ما سمّاه الفيلسوف برتراند رسل ب“الملل المثمر”. لكن النوع السيء منه، وبالعكس، يجعلك مرهقًا للدرجة التي تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء (يُسمّى بالملل البليد).

الجزء الحاسم في عصرنا هو أن نتعلم كيف نقيّم هذه النكهات المختلفة من الملل وذلك حتى نُميّز بين الملل النافع والمضر، فالنظر إلى هاتفك في لحظة ملل ليس على الإستمرار أمر سيء!


مقال كتبه كليف تومسون في مجلة “وايرد” بتاريخ ١ يناير ٢٠١٧

ما الذي تريد أن تراه في منامك؟

theformofbeauty/borrowed-dreams

theformofbeauty/borrowed-dreams


كانت جدتي تلح على جدي بترك المدينة والسفر إلى الشام خاصة أن والدتها تركت المدينة وسكنت هناك -والظاهر أن أحوال المعيشة في الشام كانت أفضل بكثير من المدينة في ذلك الوقت- وبما أن ظروف السفر في تلك الأيام كانت قاسية للغاية صار طلبها صعبًا. ومازالت جدتي تبكي وتلّح على زوجها بقولها ”ودّيني الشام! ما أبغى المدينة!” حتى رأت الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام يقول لها “والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون”.

كانت لهذه القصة – والتي قصّها عليّ أبي- في طفولتي وقع غريب على نفسي. وتحت تأثيرها، شرعتُ في قراءة كتابٍ من مكتبة أبي كان قد أُهدي إليه بعنوان “كيف ترى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام؟” كان الكتاب يستعرض حكايات لصالحين رأوا الرسول في أحلامهم. يحتوي الكتاب أيضًا على تجاربهم في تلاوة آيات وأدعية مخصوصة قبل النوم مكّنتهم بعد ذلك من الرؤية. أنهيتُ الكتاب بحماس وقرأتُ كل الأدعية والآيات والسور التي فيه- القصيرة بالطبع- ورددتها كثيرًا (كقراءة قل هو الله أحد مائة مرة، والصلاة على الرسول ألف مرة..)، ولم أر النبي في منامي. كررت ذلك في الليلة التي بعدها ولم أره حتى أصابني الملل وفترت عزيمتي فتركتها.

أصبحت الأحلام في طفولتي عالمًا مُشوّقًا للغاية. ولكي أتذكّر أحلامي الجميلة، أقوم بتدوينها فور استيقاظي حتى لا أنساها. تكوّنت لدي أوراق كُتبت بخط رديء مع العجلة حتى لا تطير أحلامي، واحتوت على خربشاتٍ عن الأحلام التي رأيتها. كنتُ أتلذذ بقراءة هذه الأوراق، أما الآن فأجدها سخيفة للغاية.

قرأتُ مرة في صفحة الأصدقاء في مجلة “ميكي” المصرية عن اختراع تسجيل الأحلام يُمكّنك من تسجيلها أثناء نومك ثم مشاهدتها عندما تستيقظ، وكم كان هذا الخبر رائعًا! فقد نشرته بين صديقاتي في المدرسة واتبعته قائلة أن الجهاز قد يأخذ وقتًا كعادة الأجهزة الحديثة في الوصول إلينا، لكن المهم أنهم اخترعوه على أي حال! بالطبع كانت صفحة الأصدقاء هذه كأخبار ال”برودكاست” الآن 🙂

ومع سكرة الأحلام، ابتعتُ من إحدى المكاتب القريبة من الحرم النبوي كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين. كان الكتاب قاموسًا يحتوي على كلمات مرتبة ترتيبًا أبجديًا، وكل كلمة لها تفسيرها. أصبحت أتصفحه كلما رأيت حلمًا ما وأقرأه بنهم، بل تطوّعت لتفسير أحلام صديقاتي في المدرسة، فالولادة تعني انفراج هم والخاتم رزق والحمل هم وهكذا. العجيب أن إحدى صديقاتي والتي تتصل بي عند رؤيتها لحلم غريب أخبرتني أن تفسيري لها يتحقق. والأعجب من ذلك أن ابن سيرين لم يُؤلف هذا الكتاب، وإنما جُمع عنه.

ثم دهشتُ لقراءة قصص عن صالحين -في كتاب “الروح” لابن قيم الجوزية- قد تواصلوا مع الأموات عن طريق أحلامهم. أخبرتُ صديقتي عن حكاية الشخصيْن الذين تواعدا في الحقيقة، ثم رأيا بعضهما في المنام. تواعدتُ أنا وصديقتي في المدرسة أن نتقابل في الحلم، تاركتيْن صديقاتنا يضحكن علينا. تقابلنا في اليوم التالي وضحكنا نحن على خيبتنا.

بعد ذلك، قرأتُ في مقدمة ابن خلدون عن “الحالومية” وهي كلمات أعجمية تُرددها قبل النوم إن أردت أن ترى شيئًا ما في منامك:
تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس
وسرعان ماتوجهتُ إلى صديقتي وأخبرتها أن نُطبق الحالومية لهذه الليلة. قرأتُ الأذكار ثم رددت الحالومية مرارًا حتى غلبني النعاس. لم أر شيئًا وكذلك صديقتي.

في السنوات الأخيرة خفّ اهتمامي بالأحلام كثيرًا. قرأتُ كتابًا لفرويد “عن الأحلام”، ورغم أن هناك بعض المنطق في الكثير من تفسيراته، إلا أنني عجبتُ من إصراره على تفسير الأحلام وإرجاعها إلى الدافع الجنسي. قرأتُ أيضًا لعلي الوردي كتابه “الأحلام بين العمل والعقيدة” وأعجبني تحليله لتأثير الأحلام في المجتمعات خاصة العربية. وأوضح أن الكثير من الناس استغلوا أحلامهم لأغراض شخصية، وكيف أن الكثير من الأحلام هي رغبات ومشاعر مدفونة تظهر للمرء عند نومه. ومن كلامه الذي استوقفني:

“إن الأستاذ سلامة موسى ينصح القارئ بأن لا يروي حلمه -مهما ظنه بريئًا- لأحد إلا إذا وثق بأخلاقه. فالحلم قد يخفي رغبة دنيئة لا يجوز الكشف عنها، بينما هو في ظاهر بريء كل البراءة”.

وبالحديث عن الأحلام، لاحظتُ وجود “صائدة الأحلام” في الأسواق الشعبية هنا:
tan-dc476-dreamcatcher-with-quartz
وهي شبكة من الخيوط والريش يعود تاريخها إلى السكان الأصليين الذي كانوا يصنعونها لأطفالهم حتى يصطادوا لهم أحلامًا جميلة طائرة في الليل، فتقع في الشبكة وتخرج من خلال الريش وتذهب للنائم. أما الكوابيس فإنها تبقى عالقة في الشبكة حتى تشرق الشمس وتتبخر كما الندى*.

أما الآن فأستطيع في كثير من الأحيان تغيير مجرى أحلامي لأني أُدرك أنني أحلم – قيل أنها تُسمى بالأحلام الواعية-. ولا أذكر متى كانت آخر مرة رأيتُ فيها كابوسًا دون أن انتبه أنني أحلم، فأُقرر حينها أن استيقظ وأوفّر على نفسي عناء تحمّل هذا الكابوس. لابد أن تاريخي مع الأحلام قد أثمرت نتائجه، فلا كوابيس بعد اليوم.

أختم هذه التدوينة بهذا الفيديو اللطيف بعنوان “لماذا نحلم؟” مدته ٥ دقائق، وبه ترجمة عربية: