كيف يؤثر الإنحياز التأكيدي في نظرتك إلى العالم؟


أنتِ الآن في النادي تشاركين في أول تمرين من تمارين اليوقا. تشعرين بعدم الثقة تجاه وزنك، وكيف تُظهر ملابس اليوقا التي تلبسيها عيوب جسدك. أنتِ متوترة لأنك تشعرين بالحمق أمام الجميع. تجولين بناظريك لتكتشفي أن هناك مجموعة ذات أجسام رشيقة يتحدثن مع بعضهن في أحد الأركان، وعندما تمرين من هذه المجموعة تسمعينهن يضحكن.

”يا إلهي! هل يسخرن مني؟“. تتخذين مكانًا في آخر الصف حتى لا يراكِ أحد. تسأل المدربة الجميع بأن يتخذن وضعية ”السمكة المنحنية“. هل يعرف الجميع هذه الوضعية؟

تتعثرين عندما تحاولين أخذ هذه الوضعية، وتنظرين بسرعة إلى من حولك لتتأكدي أن لا أحد رآكِ. ياللحماقة! هناك شخص بجانبكِ يبتسم. ”كنت أعرف ذلك! الجميع يسخر مني!“.

بعد انتهاء التمرينات، تتجنبين النظر إلى الجميع، وتهربين من النادي، ثم تقسمين أنك لن تمارسي اليوقا مرة أخرى.

الإنحياز التأكيدي يظهر مجددًا:

في تمرين اليوقا، بحثتِ عن الأمثلة التي أكّدت مخاوفك- الأشخاص الذين سخروا منك، الشخص الذي ابتسم لك عندما سقطتِ، ولكنك تجاهلتي أن هذه الأمثلة لم تُثبت مخاوفك- وفي الحقيقة أن كل هؤلاء بالكاد لاحظك.

الإنحياز التأكيدي هو رغبة الإنسان في بحث وتفسير وتذكُّر المعلومات التي تؤكد معتقداته التي كونها مسبقًا. هذا أمر في غاية الخبث، لأنه يؤثر في كل اختيار تتخذيه. في كل يوم! في الأغراض التي تودين شرائها، وفي صحتك، وفي قرار من تريدين الزواج منه، وفي وظيفتك، ومشاعرك، وفي قراراتك المادية أيضًا. كل هذا يحدث بدون أن تشعرين. 

كيف يتكون الإنحياز التأكيدي؟
١- في كيفية بحثك عن المعلومات: وهذا يؤثر على نظرتك إلى العالم. فعندما تكونين وحيدة في المنزل، فإنك تسارعين إلى تصفح فيسبوك أو انستقرام. تشاهدين صورًا جميلة لأشخاص مسافرين، أو في حفلة، أو صورًا لزواجاتهم، ثم تفكرين كيف أن كل شخص لديه حياة عظيمة! فتقولين لنفسك ”أما أنا، فشخص تافه!“.

كل هذا لأنكِ بحثت عن معلومات تؤكد هذه المشاعر. تدركين في أعماق نفسك جيدًا أن رؤية هذه الصور تُشعركِ بالسوء، لكنكِ رأيتِها على أية حال.

٢- في كيفية تفسير المعلومة التي أمامك: والتي تجعلكِ تنحازين إلى اعتقادك! 

عندما تقعين في الحب، فإن كل ماترينه في شريكك جميل، أدونيس مثالي! لا تجدين عيبًا واحدًا. لكن عندما تسوء العلاقة، فإن كل مايظهر فجأة هو عيوب- رائحة أنفاسه بسبب القهوة، ميله للتحدث في موضوع لايهمك، بقايا شعره في الحوض- هو نفس الشخص السابق، لكن نظرتك تجاه الأشياء التي يفعلها تغيّرت بسبب مشاعرك.

٣- في كيفية تذكرك للأشياء: حتى ذكرياتك تتأثر من الإنحياز التأكيدي. فتفسرين وتغيرين الذكريات والمعلومات في رأسكِ بناء على ماتؤمنين به. 

في تجربة كلاسيكية، اشترك طلاب برنستون ودارتموث في مباراة بين الجامعتين. وفي النهاية، تذكّر طلاب برنستون الأخطاء التي ارتكبها طلاب دارتموث، أما طلاب دارتموث فتذكروا بشكل أكبر الأخطاء التي ارتكبها طلاب برنستون. اعتقد كلٌ من الفريقين أن فريقه هو الأفضل. لذلك انحازوا إلى تذكر أمثلة أكثر توضّح أن فريق الجامعة كان الأفضل بينما فريق الجامعة المنافس هو الأسوأ.

لماذا أبدو هكذا؟

أنت تبحثين عن البراهين التي تؤكد اعتقاداتك لأنك لا تريدين أن تكوني على خطأ. كونك مخطئة يعني أنك لستِ ذكية كما ظننتِ، فبالتالي ينتهي بكِ الأمر إلى البحث عن معلومات تؤكد ماتؤمنين به مسبقًا. 

في تجربة شهيرة، عندما عُرض على المشاركين برهانًا يخالف اعتقاداتهم السياسية، نشطت أجزاء من دماغهم تنشط عادة عند وجود آلام جسدية! أي أن كون الإنسان مخطئًا يجعله يتألم جسديًا!

من السهل أن نتقبل آراء مخالفة عندما تكون متعلقة بأمور لانهتم بها. لكن عندما تصبح لديكِ معتقدات تكوّن جزءًا مهمًا من شخصيتك (مثال: أنتِ شخص لطيف، آرائك السياسية صحيحة) فإن البراهين التي تُعارض معتقداتك هذه تسبب تنافرًا معرفيًا- شعور بالقلق وبالضغط الشديد. 

فالتنافر المعرفي يجعلك إما أن تهاجمين أو تتهربين. إما أن تغرقي في التثبت بمعتقدك فتثوري بشدة في سبيل الدفاع عنه، أو تتهربين بعيدًا عن الحقيقة المنفرة. هدف عقلك الأساسي هو حماية الذات. وهذا ينطبق على ذاتك النفسية والجسدية. فعندما تتحدى الحقائق ذاتك، يتعرض دماغك لتهديد نفسي فيحميك وكأنك تتعرضين لتهديد جسدي.

هناك معلومات أكثر مما نستطيع أن نستوعبه:

عندما تحاولين أن تتبني آراءً معاكسة وتقيّمين البراهين التي تؤيدها أو تخالفها، فإن ذلك يحتاج إلى بذل مجهود كبير للغاية. سيبحث دماغك عن أقصر الطرق للوصول إلى حل. من الصعب تقييم معلومات معارضة لك وأن تفكري ماهو الصحيح لأنه يتطلب مجهودًا كبيرًا. ولذلك من الأسهل لك أن تبحثين عن معلومتين أو ثلاثة تدعم وجهة نظرك.

حسنًا، ما الذي يمكنني عمله؟

١- تعاملي مع الحياة بفضول وليس عن إعتقاد راسخ:
عندما تحاولي أن تثبتي صحة وجهة نظرك في كل مرة، فإنك ستصبحين خاضعة للإنحياز التأكيدي.

درس الباحثون مجموعتين من الأطفال في المدرسة. اجتنبت المجموعة الأولى مشاكلًا كان فيها نوع من التحدي لأنها من الممكن أن تجعلهم عرضة للخطأ. أما المجموعة الأخرى، فإنهم قبلوا تلك المشاكل مع استعدادهم لكونهم على خطأ. تفوقت هذه المجموعة الأخيرة على الأولى. 

اهتمي قليلًا بكونك على صواب، وركزي أكثر على ممارسة الحياة بفضول وتعجب. عندما تستعدين لأن تكون مخطئة فإنك تفتحي لنفسك آفاقًا جديدة. 

٢-  ابحثي عن نقاط الإختلاف وتفهّميها

تفهمك لآراء معارضة لك يساعدك على تكوين وجهة نظر خاصة بك. وفقًا للباحثين، فإنك تستطيعين تغيير اعتقاداتك الراسخة. كيف؟ أحيطي نفسك بأشخاص مختلفين لديهم وجهات نظر مختلفة عنك.

على سبيل المثال، عندما تريدين شراء منزل، وتعجبك إحدى المنازل، اطلبي من صديقتك أن تلعب دور محامي الشيطان فتقدّم لك أسبابًا تجعلك ترفضين شراء هذا المنزل. بهذه الطريقة، تستطيعين أن تتأكدي أنك قد اطّلعت على أكثر من وجهة نظر واحدة، وحينها سيكون قرارك عقلانيًا.

٣- فكّري في عملية التفكير:

من أجل محاربة الإنحياز التأكيدي، تحتاجين إلى تقييم ردات فعلك الغريزية. في المرة القادمة التي تتعرضين فيها إلى حقائق تؤكد لكِ رأيك، توقّفي. فكّري في الإفتراضات التي تكوّنت لديكِ وابحثي عن طرق تؤكد أنك مخطئة بالفعل.

على سبيل المثال، أنتِ شخص محب للقهوة، وتحتاجين في العادة إلى قهوتك الصباحية حتى يبدأ يومك. فإنك عندما تتصفحين حسابك في فيسبوك وتجدين أشخاصًا وضعوا مقالات تتحدث فيها عن فوائد القهوة، فإنها ستجذب نظرك فورًا. من السهل أن تقرأي هذه المقالات فتقولي حينها” اها! هذه المقالات تؤكد اختياراتي في الحياة!“. في المرة القادمة التي تجدي فيها نفسك تفعلين هكذا، ابحثي حينها عن معلومات تعارض ماتعتقدينه.

الخلاصة

الإنحياز التأكيدي هو أمر من الصعب أن تتجنبيه عند اتخاذك لأي قرار، فهو يُلوّن نظرتك إلى الحياة وليس بالأمر الهين فتستطيعين التخلص منه. لكن عندما تتخذين قرارًا كبيرًا- يتعلق بصحتك، أمورك الإقتصادية، حب حياتك- فإنك تودين أن تتخلصي من تأثيره بأفضل طريقة ممكنة. تعلمي كيف يعمل الإنحياز التأكيدي حتى تتمكني حينها أن تتخذي قرارات أكثر منطقية. لذلك، في المرة القادمة التي تنتقلين فيها من ”وضعية السمكة المنحنية“ إلى ”وضعية الشواوا الطائر“ – تأكدي جيدًا واطمئني، ليس هناك أي شخص ينظر إليكِ!


*المقالة مترجمة عن موقع Quiz كتبها
Nir Eyal 
والرسومات  Lakshmi Mani

Advertisements

الخوف من الجراثيم

لا أعد نفسي من طائفة الموسوسين والموسوسات، ولكني أؤمن أن الأغلبية منا في هذا الزمان يمتلكون مقدارًا ولو ضئيلًا من الوسوسة تجاه الجراثيم والبكتيريا.. ومع انتشار برامج وصور عن النظافة بهدف الوعي ومستحضرات التنظيف التي تحرص على ذكر نسبة ٩٩.٩٪ في قضاءها على الجراثيم، كبُر خيالنا وأصبحنا نتخيل الجراثيم تترصد لنا في كل مكان. إحدى صديقاتي تأخذ معها مفرشًا للسرير إذا ذهبت إلى فندق – وإن كان ذو ٥ نجوم- لتنام فوقه. الأكيد أنها تخيّلت نوعية الأشخاص -الذين ناموا قبلها فوق السرير- ونشاطاتهم ومدى نظافة شعرهم وأجسادهم. أما الأخرى فإنها لاتلمس أطفالها الصغار إذا كانت مرتدية شرشف الصلاة حتى لا يتنجّس لأنها تتخيل الجراثيم الصادرة عنهم كما تقول. أما أنا فلم أقع ضحية لهذه الوسواس إلا فيما يتعلق بغسل اليدين كل عدة دقائق والتي أتخيلها تكومت على يديّ بعد لمس أغراض عادية في المنزل، لحسن حظي استمرت هذه الوسوسة لفترة قصيرة تخلصت منها بقوة الإرادة والتي نادرًا ماتقف معي.

هنا بعض من الوساوس الخفيفة والمعتدلة عن الجراثيم التي أواجهها يوميًا والشروط التي أضعها لنفسي ويتفق الكثير معي فيها وأحببت أن أشاركها معكم. هذه النقاط تتعلق عن مواقفي تجاه جراثيم الآخرين بشكل خاص وليست عن نظافة المنزل أو النظافة الشخصية:

١- السرير والكنب منطقة محرمة لا يوضع فوقها أي ملابس مخصصة لخارج البيت مثل العباءة والجاكيت والبناطيل. قد يستفزني منظر مثل هذا وأنا لا دخل لي- أحمد مكي في دور جوني في مسلسل الكبير أوي يجلس فوق السرير مرتديًا حذاء-:

٢- الضغط على أزرار المصعد الخارجية (الطلوع والنزول) والداخلية (أرقام الأدوار) بأي شيء عدا اليدين. مفتاح البيت فكرة ممتازة (يُستبعد الطرف الحاد حتى لا يخدش الأزرار).

 

٣- عدم لمس أبواب الحمامات العامة في المطاعم وغيرها خاصة عند الخروج منها. أحببت هذا المنظر في الحمامات التابعة لإحدى الأسواق -نوردستروم-، مناديل صغيرة عند باب الحمام تُستخدم من أجل تغطية مقبض الباب. أو هذا ماظننته!

أما هذه القطعة فوجدت شبيهة لها في إحدى الحمامات العامة، مفيدة جدًا لتفادي مسك مقابض الأبواب والإكتفاء بفتح الباب بواسطة القدم.

٤- المحاولة على قدر الإمكان على تجنب لمس مقابض المواصلات العامة كالمترو والباص والتي تجعلك متوازنًا خاصة إذا لم تجد مكانًا للجلوس واضطررت حينها إلى الوقوف. تعلمت كيف أقف متوازنة في المترو السريع عند الإنطلاق والتوقف بدون أن أتمسّك بشيء. إذا حدث واضطررت إلى التمسك بالمقابض أو الأعمدة، فلابد لي من أن استخدم عند نزولي من الباص أو المترو معقم اليدين. لكن هذا لا يكفي لأن الجراثيم كما قرأت تموت في مكانها -أي في يدي- فإذا أردت تناول الطعام بعدها لابد أن أغسل يدي للتخلص من الجراثيم العالقة في اليد.

٥- أعد نفسي قنوعة ومحظوظة مقارنة ببعض الأشخاص الموسوسين لأنني استخدم الحمامات العامة التابعة للجامعة أو الأسواق ولو كان استخدامي هذا بلا أريحية. في نفس الوقت استخدم الكثير من المناديل لوضعها فوق المرحاض إذا لم يتوفر هذا:

كذلك لا أستخدم مطلقًا المنديل الأول أو بالأصح اللفة الأولى من المنديل (اتخيّل منظر آخر شخص استخدم المنديل بيد ملوثة ولمس طرفًا من المنديل الحالي).

٦- أتجنب لمس ”ريموت“ التلفاز في الفنادق والذي دائمًا مايكون مليء بالجراثيم ومن أقذر الأغراض الموجودة في الغرفة كما قرأت في إحدى المقالات لأنهم بطبيعة الحال لا ينظفونها. إذا أردت مشاهدة التلفاز – وهذا في النادر- لا ألمس الريموت إلا بمنديل أو ألمسه وأغسل يدي بعدها.

في أحد الفنادق وجدتُ مايُسمى بال“ريموت النظيف“.. كما تلاحظون فالريموت مُسطّح ولا توجد فتحات دائرية حول الأزرار تتجمع بداخلها الأوساخ، لذلك يسهل تنظيفه. (الصورة من موقع ترب ادفايزر)

Tripadvisor

 

٧- لا أحب شراء أو قراءة الكتب المستعملة، ولا أحب رائحتها. ولا أفضّل حمل النقود الورقية أو العملات واذا اضطررت إلى ذلك فإني أغسل يدي بعدها.

٨- إذا عطس شخص ما حولي، فإنني أكتم أنفاسي لبعض الوقت حتى أتعداه – إن كنت أمشي- أو حتى تهبط الأشياء الخارجة من فمه إلى الأرض وتستقر -هكذا أتخيل؟- بإمكانكم تخيّل ما أقصده بوضوح عندما يكون أحدهم تحت أشعة الشمس. انتظروا حتى يفتح فمه ويتكلم!

هذه بعض النقاط التي تذكرتها خلال كتابتي لهذه التدوينة. هناك برنامج للموسوسين ممتع إلى حد ما، تتلخص فكرته في إحضار شخص موسوس بالنظافة إلى منزل شخص قذر (جلطة نفسية) ليتبرع الموسوس حينها بالتنظيف! هنا إحدى الحلقات في يوتوب:

ماذا عنكم؟ هل هناك بينكم من هو موسوس بالنظافة؟