عن الهدايا


لأهل المدينة مَثَل جميل ” أنا غنيّة وأحب الهديّة“ ويعني أنه مهما كان لديّ ثمن الهدية إلا أنني أحب أن يُهدى إليّ. ومن لا يحب أن يُهدى إليه؟

كان أبي رحمه الله دائمًا مايذكرنا بعزة النفس والاستغناء عن الناس، ومن ضمن الاستغناء هذا موضوع الهدايا. أذكر أن أهدتني صديقتي في الصف الثالث الإبتدائي مقلمة فما كان من أبي إلا سألني عن سبب الهدية، وإذ لم يكن لها مناسبة فقد أمرني بأن أردها إلى صديقتي حتى لايصبح لها ”جميلٌ“ عليّ. تدخلت أمي وأوضحَت له أن أطفال ”اليومين هذه“ هم هكذا يُهدون بعضهم بعضًا بمناسبة ومن دون مناسبة، وأن الهدية بسيطة ليس لها قيمة تُذكر، وبعد محاولات منها أنقذت نجلاء الصغيرة التي تعلق قلبُها بالمقلمة.

كنتُ من أطفال ”اليومين هذه“ فقد أحببتُ إهداء الهدايا بمناسبة وبدون مناسبة.
كان مصروفي اليومي ٣ ريالات، أمر في كل صباح بالبقالة المجاورة لمنزلي قبل أن أذهب إلى المدرسة، واشتري عصيرًا، وتشيبسًا، وهدية (نسر ورقي، بالون صغير، ملصقات، أو حلوى..). ثم إذا حان وقت الفسحة ناديتُ زميلاتي بصوت عال ”مين تجاوب على سؤالي تاخذ هدية؟“ وأكرر ذلك، اسألهن فزورة قرأتها في إحدى مجلات ميكي أو من مجلدات شريف العلمي وأُهدي الفائزة جائزة قيمتها ثلث مصروفي.

لي زميلة إلى الآن تذكرني لأنني أهديتها في الصف الثالث الإبتدائي ألوانًا خشبية صغيرة للغاية (لم أرها منذ تلك الأيام لكني تواصلت معها عبر الشبكات الإجتماعية). بالطبع لا أذكر الهدية.

مرت سنوات عديدة حتى تزوجت وأُهديت إلي هدايا قيّمة من الأهل والمقربين، ولذلك نصحني أبي رحمه الله بكتابة أسماء هؤلاء الذين أهدوني وهداياهم في دفترٍ صغير أحتفظ به حتى أتذكر أن أرد لهم”الجميل“ مستقبلًا. كان أبي رحمه الله يرى الهدايا -خاصة الثمينة- عبئًا، فقد نشأ يتيمًا لايريد أن يتفضّل أحد عليه بشيء، ولذلك كان يُقيّم الهدية وعندما تحين الفرصة يُهدي لصاحبها هدية أجمل منها. جميلٌ يجب أن يُرد بأفضل منه.

أعتقد أن العديد منا أُهديت إلينا هدايا لانحتاجها، أو لاتناسبنا، أو لم تعجبنا. لانريد أن نحتفظ بهدية لن نستخدمها وستأخذ حيزًا من منزلنا. ما العمل؟ فلنُعيد تدويرها.
أهدتني صديقتي الأمريكية عطرًا –فلاور بومب– من فيكتور اند رولف، وهو عطر غال الثمن نسبيًا، يبلغ ثمنه حوالي 165 دولارًا أمريكيًا، وهو بالمناسبة أعلى ثمنًا من عطر شانيل نمبر فايف بحجم ١٠٠ مل- نستطيع أن نقارنه بعطور توم فورد غير المركّزة-. كانت صديقتي كريمة للغاية لدرجة أنها وضعت مع العطر فاتورة الشراء من محلات ميسيز الأمريكية حتى أتمكن من استبدال العطر. لايعجبني العطر إطلاقًا، ولم أكن لأُهديه لو أنها لم تترك معه الفاتورة. لا أحب أن أُهدي شخصًا عطرًا لا يُعجبني. لذلك أخذته مع الفاتورة إلى ميسيز واستبدلته بعطر من شانيل- أهديته فيما بعد- وحصلت بباقي المبلغ على واحد او اثنين من مستحضرات التجميل.
أعجبني التصرف هذا للغاية، فأصبحت فيما بعد أضع مع الهدية فاتورة الشراء (لا يظهر عليها السعر) يستطيع الشخص أن يستبدلها بشيء آخر يحبه.

تناقشت مع صديقتي عن موضوع الهدايا، وأخبرتني عن ساعة أُهديت إليها بمناسبة تخرجها ويبلغ ثمنها حوالي ال٣ آلاف ريال ، قد يكون سعر الساعة معقولًا بالنسبة إلى البعض، ولكنه رقم كبير في حيز الهدايا. هذا يعني أن هناك شخص أهدى إليك (أعطاك) ٣ آلاف ريال. لم تعجبها الساعة، ولاتستطيع بيعها أو استبدالها في المحل (لاتوجد معها فاتورة شراء). حاولت أن تلبسها مرة ولكنها لم تطق منظرها الكبير على رسغها الصغير. لا تريد أن تُهديها لأنها لاتُمثّل ذوقها. كل هذا ليس مهمًا فهي قد تتبرع بها، إلا أنها تُدين بثمن الساعة لزميلتها السخيّة مستقبلًا. فإذا حلت مناسبة لها، فلن تستطيع أن تُهديها هدية بأقل من ٣ آلاف ريال- أو على الأقل حول هذا المبلغ. تخيّل أن تأتيك هدية قيّمة نسبيًا لا تعجبك، ثم تضطر أن تُهدي مستقبلًا هدية فوق ميزانيتك.

لاتُهدي هدايا مرتفعة الثمن إلا لأهلك، ثم للمقربين من أصدقائك في المناسبات الكبيرة. أنت تعرف ذوقهم جيّدا. ولن تتورط-غالبًا- في شراء هدية لن تعجبهم أو لم يُلمحوّا مسبقًا عن قصد أو دون قصد بإعجابهم بها. ماذا عن البقية؟
إن كانت المناسبة بسيطة فاقترح أن تجعل الهدية كذلك، وإن لم يكن هناك مناسبة. أما إن كانت كبيرة (كالتخرج، والزواج، والولادة..) فلتبحث عن أشخاص يُشاركونك قيمة الهدية. ليس هناك هدية أفضل من المال. ولتقديمه كهدية بطريقة جميلة، اشترِ به جنيهًا أو أكثر من الذهب وقدّمه، أو ضع مبلغًا من المال في بطاقة بنكية هدية (ماستر كارد) يشتري به المُهدى إليه مايشاء.

أفكار لهدايا بسيطة:
كوب. كفر آيفون. شمعة معطرة. كتاب. فاصل كتاب. جوارب دافئة للمنزل. دفتر. نبتة. قسيمة لقص الشعر أو لعمل الأظافر أو جلسة مساج. شاحن متنقل. قسيمة شراء من مقهى أو مكتبة. بيجاما. اشتراك شهري في نتفلكس. رصيد آيتونز. بن أو شاهي فاخر. كبسولات قهوة. قاعدات أكواب. بطانية صغيرة تُستخدم في المنزل في الشتاء. حافظ حرارة للقهوة أو الشاي. مجموعة صوابين عطرية أو كرة الرغوة من محل لش. لعبة اجتماعية ”سعودي ديل مثلًا“. كريم يد بزبدة الشيا من لوكسيتان. لعبة بازل للوحة الموناليزا أو إحدى لوحات فان جوخ. دفتر تلوين لرسومات معقدة. شرشف صلاة. مخدة مريحة. صحن صغير للمجوهرات اليومية أو حامل الخواتم. أجندة. مجموعة الإعتناء بالأظافر مع مناكير. شبشب منزلي دافئ مع كريم للأرجل. مجموعة عناية للوجه (صابون، مقشر، كريم). ألواح شوكولاتة.

لاتتورط في شراء الهدايا لأشخاص بالكاد تعرفهم. سوف تُحمّلهم ونفسك عبئًا ثقيلًا . نفس الصديقة أخبرتني باعتيادها في شراء الهدايا لكافة الزميلات في العمل. ”على الأقل مائة أو مائتين ريال تذهب شهريًا في (قطة) الهدايا لزميلات العمل. زميلات في الأقسام الأخرى بالكاد أعرفهن. أخجل من قول ”لا“ فيظنوني بخيلة. أحيانًا أشعر بأنني لاأحب رؤية مائة ريال تذهب لإنسانة بالكاد أراها بسبب المجاملة!“.

خاتمة: في مسلسل بريكنق باد، يُهدي ”مستر وايت“ صديقه الثري هدية متواضعة للغاية في عيد ميلاده، كيس صغير من الرامن (نودلز ياباني شبيه بالأندومي)، يفتح الصديق الهدايا الثمينة أمام أصدقائه الأغنياء ثم يأتي دور هدية مستر وايت الذي يكاد يذوب خجلًا بسبب هديته. هذا التقليد المتأمرك أصبح منتشرًا لدى  البعض الذين يفتحون الهدايا أمام الجميع في نهاية المناسبة، ولدى هؤلاء الذين يستعرضون بهداياهم في وسائل الشبكات الإجتماعية -سنابتشات بالأخص- ويذيلون الصورة بعبارات الشكر.

Advertisements