لعنة المعرفة


قبل سنوات، كنتُ أتمشى مع زميلتي التي تعرفت عليها مؤخرًا، مررنا بمقهى عربي يصدح منه صوت كاظم الساهر وهو يغني ”زيديني عشقًا“، فما كان لي إلا أن أغني معه وألتفت إليها قائلة ”هذه الأغنية جميلة للغاية“.
أخبرتني أنها لا تعرفها

فقلت ”لكاظم الساهر؟“ 

ردت ”لا أعرفه“

لا أعرفه!

تسبب ردها لي بصدمة أضحك منها اليوم. فكيف لها أن لا تعرف كاظم الساهر؟ فبالنسبة لي -وقتها-، أن تقول أنك لاتعرف كاظم الساهر كقولك اليوم أنك لا تعرف محمد عبده (بغض النظر عن كونك تسمع أغانيه، أو تسمع الأغاني بشكل مطلق أم لا). هذا يعني أنك تعيش في عالم آخر منعزل عمن حولك. لكن مع مرور الأيام، أدركت أن الكثير من الأمور المُسلمة التي أعرفها قد لا يعرفها غيري، ليس لي الأفضلية بمعرفتها، ولكن الظروف التي مررت بها جعلتني أتعرف عليها بشكل أو بآخر. وكذلك بالطبع بالنسبة لغيري، يدركون أمورًا لا أعرفها ويظنون أنني أعرفها بطبيعة الحال.

هناك تعبير يُسمى ب Curse of knowledge أو لعنة المعرفة 

وهو ”إنحياز معرفي يجعلك تفترض بأن الآخرين يفهمون ما تقوله“ وهذا نجده شائعًا عند دكاترة الجامعات وخاصة أساتذة اللغة، عندما يفترضون أن الطلاب يفهمون مايقولونه، وهنا يفشل المُحاضر في إيصال المعلومة.

كان هذا ماحدث في المحاضرة الأولى لإحدى الكورسات التي حضرتها، كان الدكتور يشرح كلامه ليس فقط مستخدمًا مصطلحات معقدة بل وبأسلوب وكأنه يقرأ من ورقة أكاديمية. كان الجميع يهز رأسه موافقًا لما يقوله، وهذا ما ردّني إلى البيت خائبة ومذعورة! فكان ينبغي على طالبة الماجستير أن تدرك كل هذه المصطلحات وتفهم كل البحوث الجديدة التي جرت بشأن الموضوع الذي يتكلم عنه. 

درست جيدًا لأستوعب ما سيقوله في المحاضرات القادمة، وكنت أتجهز للدروس من قبل أن تُلقى. اكتشفت لاحقًا أن الجميع كانوا مثلي. كانوا يهزون رؤوسهم متظاهرين بالفهم، ولكنهم لم يكونوا كذلك. وغدت المشكلة من الدكتور المتحذلق بمصطلحاته. بالطبع لم يكن متحذلقًا، ولكنها لعنة المعرفة. 

كيف أصبحتُ الآن؟
بعيدًا عن أجوبة قوقل، عندما يكون لديّ سؤالًا أحتاج إجابته من مختص، فإنني أطرح العديد من الأسئلة الصغيرة. مررتُ بهذه التجربة عندما كنت أزور طبيبتي خلال الحمل، أطرح العديد من الأسئلة حول موضوع معين. كنتُ أستغرب أحيانًا من ظنها بأنني أدرك ماتقوله -لعنة المعرفة مرة أخرى- فأعود إلى طرح الأسئلة مجددًا حتى أفهم النقطة التي أخبرتني بها. وكذلك الموضوع نفسه مع الأمهات، يعتقدن بأن الأمهات الجدد يعرفن بالضرورة ما مررن به مسبقًا. أذكر خلال حملي بأن مجموعة من الأمهات ضحكن عليّ عندما سألتهن هل يلبس الطفل البيجاما على جلده أو لابد من شراء شيء مثل البلوزة الداخلية؟ افترضن بأنني أعرف هذا الأمر رغم تفاهته.

أما بالنسبة إليّ، فأصبحت أتقبل هذه الاختلافات المعرفية وإن كانت تافهة مثل أغنية زيديني عشقًا.

هنا فيديو جميل لستيفن بنكر يشرح عن لعنة المعرفة

الإعلانات