أنا لا يموتُ أبي

The Heart and the Bottle: Oliver Jeffers

عندما كانوا يحدثونني عن الله في طفولتي، كنتُ أتخيل أبي. فالله هو اللطيف والكريم والرحيم، وكذلك كنتُ أرى أبي. وعندما أخبروني بأن الله يغضب عندما نعصيه، كنت أتخيل أبي غضبان وهو جالسٌ على كرسيه في صالة المعيشة، يُنادِي عليّ فأذهب إليه مُستغفرة. والأعجب من ذلك اعتقادي بأن أبي لا يموتُ. فمنذ عرفتُ أبي وهو يُذكّرنا بالموت وأنه سيموت وأنكلُ نفسٍ ذائقةُ الموت“. كنتُ أراه مفعمًا بالحياةأو كما رغبتُ أن أراهرغم ضعفه وقلة حيلته مع تقدمه في السن.

ولكنهم في ال١٣ من مايو من عام ٢٠١٧، أخبروني بموت أبي..

ضلالٌ! أنا لا يموتُ أبي!“

كنتُ عائدة من رحلة طويلة من أوتاوا إلى جدة، حيث أخبرتني أمي بضرورة القدوم للاطمئنان على أبي. توقفتُ عند السوق الحرة في المطار لأبتاع عطرًا هدية لأبي، ولكنني في هذه المرة تخليت عن هذه العادة.. فكيف سيستخدم أبي العطر وهو على حالته في المستشفى؟

كنتُ أتصور أن أبي سيُسر حتمًا بقدومي وسيُشفى، وأخذتُ أتخيل الأحاديث والقصص التي سأرويها له. ولكن ما إن حطت الطائرة مطار جدة حتى أتاني خبر وفاته. اسودّت الدنيا في عينيّ كما اسودت تمامًا في عينيه. لِم لَم ينتظرني؟

مرت ساعات طويلة حتى رأيت أبي للمرة الأخيرة في حياتي. كان أبي يدعو لي دائمًا بدعوة أحببتُهاالله يجعل السعد حليفك والتوفيق“. وعندما رأيته والبياض يكفنه، انهرت وانكببت عليه باكية وقد نسيتُ كل الكلمات، وأنا التي لاتُعييني الكلمات، وأصبحتُ أُقبّل جبينه ورجليه وأُرددالله يرضى عليك.. الله يجعل السعد حليفك والتوفيق في الآخرة“.

أبي ماعاد بيتُنا حُلوًا كسائرِ البيوت..
أبي ألقاكَ في المنام وكلما أصحو تموت

انقضت ٣ سنوات بدون أبي. مات أبيلم يكن إلهًا أو خالدًا كما اعتقدتوأصبحَ حُلمًا. والأقسى من ذلك أنه ستنقضي سنوات طويلة للغاية، إلى أن أموت، بدون أبي.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.