كتابي الأول

Ginnie Hsu


في الكتابة، تنصح الروائية مارقريت آتوود الكاتب المبتدئ بالتخلص من الصفحات الزائدة والمملة أو الكتابات التي لافائدة منها بقولها:
”The wastepaper basket is your friend. It was invented for you by God”
”سلة المهملات صديقتك. لقد خلقها الرب من أجلك“

في العاشرة من عمري، زارنا خالي الأكبر المدينة قادمًا من جدة. بعد مدة ليست بطويلة من دخوله المنزل، قدّمت إليه ال”اوتوقراف” الخاص بي من أجل أن يدوّن عليه شيئًا من مشاعره الإيجابية نحوي. كنت أطمح إلى تجميع أكبر عدد من الأشخاص ليكتبوا لي حتى لا يُبقوا لي صفحة فاستطيع بذلك التفاخر أمام صديقاتي عن العدد الكبير من الناس الذين أعرفهم، تمامًا مثل عدد الأصدقاء في فيسبوك.

”هذا كتابك الذي كتبتيه؟“ قال خالي ممازحًا، أو افترضت أنه كان كذلك.

”لا! هذا اوتوقراف.. تعرف اش يعني اوتوقراف؟“ وشرحت له ماذا يعني، وماذا يجب عليه أن يفعل.

سطّر بضعة كلمات في دفتري الصغير، ثم قال ”لو كتبتِ كتابًا فإنني سأنشره لكِ“

لمعت عيناي. كانت الفكرة تبدو جديدة وجذابة .. أنا أكتب كتابًا؟ 

جلستُ على طاولتي الحمراء أعصف ذهني، وأفكر ما الذي يمكنني كتابته؟ كل كاتب هو خبير في موضوع كتابه. في أي مجال تقع خبرتي؟ 

فكرتُ قليلًا، واستنتجتُ أنني خبيرة في طرح ”الفوازير“ على صديقاتي. فليكن كتابًا ممتعًا عن الألغاز.

بدأت بكتابة الألغاز التي أعرفها وحفظتها من مجلات ميكي، لكنها نفدت بسرعة. احتجت إلى فوازير كثيرة. التجأت إلى كتب سين جيم لشريف العلمي من مكتبة والدي، لكنها كانت ألغازًا علمية صعبة. ففكرت في النكت، نعم .. ستكون إضافة مميزة!
هكذا اكتملت فكرة الكتاب، صفحة للفزورة والحل بالخلف، وبعد كل فزورة استراحة للقارئ -المُرهق الذي فكّر بالحل- مع نكتة. قصصتُ الأوراق من الدفاتر وشرعتُ في كتابة كتابي الذي انتهى ب١٠٠ صفحة تقريبًا. كانت كل صفحة مذيّلة برقم. كنت أكتب كتابي وأنا أتخيل أنه سيساعد الكثير من الناس في تقضية أوقات فراغهم بالفوازير. بكم سيكون سعره؟ لمعت عيناي بشكل أكبر. لكن المال لايهمني فهذا كتابي الأول، ومشواري مازال طويلا. انتهيت من الكتابة، وزيّنت الكتاب بالألوان التي ستُبهج خالي والناشر. للأسف، لم يعد هناك أي دبابيس في الدبّاسة من أجل تثبيت الأوراق، فعمدتُ إلى ثنيها من الطرف الأعلى.

أخذت الكتاب معي في إجازة الصيف إلى جدة وحرصتُ على بقاء الأوراق مرتبة برقم الصفحات في شنطتي. ومن أجل منع المتطفلين من سرقة الأفكار أو إبداء آرائهم السخيفة، وضعته فوق الدولاب. جاء خالي أخيرًا وجريت إلى الدولاب وسلّمته كتابي. ما الذي حصل؟
تصفّح خالي الكتاب وأبدى إعجابه، لم يقل شيئًا بخصوص النشر.

مرت أيام عديدة وكتابي مازال فوق الدولاب. نسيته تمامًا. جاء اليوم الذي قررت فيه أمي تنظيف الغرفة بشكل عميق. ارتفع صوت أمي بغضب ”ماهذه الأوراق المتناثرة فوق الدولاب؟“

يبدو أن هواء التكييف قد نثر الأوراق.

وجدت أمي اسمي كمؤلفة على الأوراق. يبدو أنني لم أرغب في أن يسرق شخص ما فوازيري.

سألتني أمي بسرعة ” يبدو أنها تعود إليكِ .. هل مازلتِ تحتاجينها؟“

أجبت ” لا خلاص.. ارميهم“

ونادت ”يا رسول -اسم العاملة-.. جيبي الزبالة“

وهكذا انتهى كتابي الأول إلى الزبالة. 

لعنة المعرفة


قبل سنوات، كنتُ أتمشى مع زميلتي التي تعرفت عليها مؤخرًا، مررنا بمقهى عربي يصدح منه صوت كاظم الساهر وهو يغني ”زيديني عشقًا“، فما كان لي إلا أن أغني معه وألتفت إليها قائلة ”هذه الأغنية جميلة للغاية“.
أخبرتني أنها لا تعرفها

فقلت ”لكاظم الساهر؟“ 

ردت ”لا أعرفه“

لا أعرفه!

تسبب ردها لي بصدمة أضحك منها اليوم. فكيف لها أن لا تعرف كاظم الساهر؟ فبالنسبة لي -وقتها-، أن تقول أنك لاتعرف كاظم الساهر كقولك اليوم أنك لا تعرف محمد عبده (بغض النظر عن كونك تسمع أغانيه، أو تسمع الأغاني بشكل مطلق أم لا). هذا يعني أنك تعيش في عالم آخر منعزل عمن حولك. لكن مع مرور الأيام، أدركت أن الكثير من الأمور المُسلمة التي أعرفها قد لا يعرفها غيري، ليس لي الأفضلية بمعرفتها، ولكن الظروف التي مررت بها جعلتني أتعرف عليها بشكل أو بآخر. وكذلك بالطبع بالنسبة لغيري، يدركون أمورًا لا أعرفها ويظنون أنني أعرفها بطبيعة الحال.

هناك تعبير يُسمى ب Curse of knowledge أو لعنة المعرفة 

وهو ”إنحياز معرفي يجعلك تفترض بأن الآخرين يفهمون ما تقوله“ وهذا نجده شائعًا عند دكاترة الجامعات وخاصة أساتذة اللغة، عندما يفترضون أن الطلاب يفهمون مايقولونه، وهنا يفشل المُحاضر في إيصال المعلومة.

كان هذا ماحدث في المحاضرة الأولى لإحدى الكورسات التي حضرتها، كان الدكتور يشرح كلامه ليس فقط مستخدمًا مصطلحات معقدة بل وبأسلوب وكأنه يقرأ من ورقة أكاديمية. كان الجميع يهز رأسه موافقًا لما يقوله، وهذا ما ردّني إلى البيت خائبة ومذعورة! فكان ينبغي على طالبة الماجستير أن تدرك كل هذه المصطلحات وتفهم كل البحوث الجديدة التي جرت بشأن الموضوع الذي يتكلم عنه. 

درست جيدًا لأستوعب ما سيقوله في المحاضرات القادمة، وكنت أتجهز للدروس من قبل أن تُلقى. اكتشفت لاحقًا أن الجميع كانوا مثلي. كانوا يهزون رؤوسهم متظاهرين بالفهم، ولكنهم لم يكونوا كذلك. وغدت المشكلة من الدكتور المتحذلق بمصطلحاته. بالطبع لم يكن متحذلقًا، ولكنها لعنة المعرفة. 

كيف أصبحتُ الآن؟
بعيدًا عن أجوبة قوقل، عندما يكون لديّ سؤالًا أحتاج إجابته من مختص، فإنني أطرح العديد من الأسئلة الصغيرة. مررتُ بهذه التجربة عندما كنت أزور طبيبتي خلال الحمل، أطرح العديد من الأسئلة حول موضوع معين. كنتُ أستغرب أحيانًا من ظنها بأنني أدرك ماتقوله -لعنة المعرفة مرة أخرى- فأعود إلى طرح الأسئلة مجددًا حتى أفهم النقطة التي أخبرتني بها. وكذلك الموضوع نفسه مع الأمهات، يعتقدن بأن الأمهات الجدد يعرفن بالضرورة ما مررن به مسبقًا. أذكر خلال حملي بأن مجموعة من الأمهات ضحكن عليّ عندما سألتهن هل يلبس الطفل البيجاما على جلده أو لابد من شراء شيء مثل البلوزة الداخلية؟ افترضن بأنني أعرف هذا الأمر رغم تفاهته.

أما بالنسبة إليّ، فأصبحت أتقبل هذه الاختلافات المعرفية وإن كانت تافهة مثل أغنية زيديني عشقًا.

هنا فيديو جميل لستيفن بنكر يشرح عن لعنة المعرفة

تجارب ومباهج – ٢

هذه التدوينة الخفيفة هي من سلسلة تجارب والتي أعرفكم فيها على بعض تجاربي في الأسابيع|الشهور السابقة في أمور شتى كقراءة الكتب، واستخدام برامج الآيفون، ومشاهدة البرامج والأفلام والمسلسلات، وشراء المنتجات عن طريق الإنترنت وغيرها من التجارب والمباهج الصغيرة.

التعليم الذاتي – ماستر كلاس MasterClass

بإلهام من هيفاء القحطاني، تشجعت أن تكون هذه السنة هي سنة التعليم الذاتي عن طريق الدروس والمحاضرات الموجودة أون لاين من كورسيرا وغيرها.

أنهيت مادة في كورسيرا، واشتركت في ماستر كلاس ب١٨٠ دولار في السنة. أستطيع القول أنه يستحق كل دولار دفعته. أتممت دورة مالكوم قلادويل في الكتابة- رائعة وملهمة- والآن قاربت الإنتهاء من محاضرات مارقريت آتوود عن الكتابة الإبداعية.

لكن، ما الفرق بين ماستر كلاس ومواقع مثل كورسيرا وإد إكس ويوداستي؟
بما أنني أنهيت مادتين في كورسيرا وتابعت العديد من المواد في مواقع MOOCs الأخرى -لم أنهها للأسف- أستطيع أن أدوّن أبرز الاختلافات بشكل سريع:
– كورسيرا يمتاز بالطابع الأكاديمي – هناك مهام ومشاريع دراسية يجب العمل عليها بعد الإنتهاء من المحاضرة، كذلك لابد من التعاون في تصحيح الواجبات للطلبة الآخرين حتى يتمكنوا من تصحيح واجباتك، وفي نهاية الدورة هناك اختبارات وأسئلة.
بينما ماستركلاس هو أقرب لفيديوهات يوتوب التعليمية. هناك ملف تستطيع تحميله بعد كل فيديو للمراجعة إذا أردت.
– مقدمو محاضرات كورسيرا وإد إكس هم دكاترة وأساتذة جامعات مختلفة لهم خبرة في السلك الأكاديمي والتدريس، بينما مقدمو محاضرات ماستركلاس هم أشخاص مميزون في مجالهم. على سبيل المثال: مارقريت آتوود الفائزة بجوائز في الأدب تقدم دورة في الكتابة، قاري كاسباروف بطل العالم في الشطرنج له دورة في تعليم الشطرنج، قوردن رامزي الحاصل على ١٦ نجمة ميشلان يقدم دورة في الطبخ، نتالي بورتمان الفائزة بأوسكار تتحدث عن التمثيل.. وهكذا.
– لا توجد شهادة إكمال الدورة في ماستركلاس بخلاف كورسيرا وغيرها، حيث تستطيع أن تأخذ شهادات معتمدة في الكثير من الجهات مثل نانو ديقري، وتستطيع أيضًا أن ترفق رابط إنهاء الدورة في مواقع مثل لنكدإن.
– تستطيع مشاهدة كل المحاضرات في ماستر كلاس ب١٨٠ دولار في السنة، بينما في كورسيرا والمواقع المختلفة فإن السعر يختلف باختلاف الدورة ونوع الشهادة، وبعض المحاضرات مجانية.

دورة مالكوم قلادويل عن الكتابة كانت مسلية وممتعة. فهو لا يتحدث عن الكتابة فقط، وإنما عن قصص وتجارب مر بها وعن خبرته ونصائح مختلفة مما يجعلها مميزة وتستحق المشاهدة مرة أخرى.

عالم الأمس – سيرة حياة ستيفان زفايج 

زفايج أديب كبير وروائي عبقري، كانت بداية قراءتي له (ماري انطوانيت) من كتب والدي رحمه الله، ثم قرأت بعد ذلك لاعب الشطرنج والتي اعتبرها من أجمل قصصه. 

أما هذه السنة فقد اشتريت جميع قصصه القصيرة أو النوفيلا من إصدار دار مسكيلياني من معرض الكتاب وقرأتها كلها. وبالرغم قصرها، فإن القصص مليئة بالمشاعر التي أستطاع زفايغ وصفها بكل دقة. لذلك، وبعد توصية من الصديقة إحسان، تشجعت على قراءة سيرته الذاتية (عالم الأمس).

في عالم الأمس، يتحدث زفايج عن النمسا الجميلة وفنونها المسرحية والموسيقية قبل الحرب العالمية، ثم كيف أثرت الحربة العالمية وأهوالها – خاصة هتلر- عليها وعليه شخصيًا. فقد انتحر مع زوجته بعد كتابته لعالم الأمس! 

من أجمل السير الذاتية، صادقة ومؤثرة للغاية. اقرأوها.

مسلسل تشيرنوبل 

لم أكن أعرف عن تشرنوبل إلا بعد قراءتي لكتاب الفائزة بنوبل للآداب، سفيتلانا ألكيسيفيتش ”صلاة تشرنوبل“. المسلسل يحكي في ٦ حلقات عن كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل وكيف غيّر مجرى التاريخ بسبب آثاره الوخيمة على الناس والحيوانات والأطعمة والمياه والهواء، بل وحتى على الاتحاد السوفييتي. عظيم ويستحق المشاهدة.

 

غداء تحت أشجار الليمون

في ربيع هذا العام، زرتُ مدينة كابري الإيطالية. وهو الوقت المناسب لاعتدال الجو، والأهم من ذلك نضج الليمون الأصفر على الأشجار. تكثر أشجار الليمون على سواحل الأمالفي الإيطالية، وجزيرة كابري تشتهر بالليمون!

لذلك خططت لزيارة مطعم اُشتهر بأنه حديقة لأشجار الليمون، ويقدم أطباقه الطازجة من ليمون الحديقة، وكانت تجربة حالمة بحق!
طلبت رافيولي على الطريقة الكابرية، مع صوص الليمون.

وايسكريم الليمون بداخل ليمونة!

صندل حسب الطلب

وبالحديث عن جزيرة كابري، تقع بوسيتانو -والتي كانت لوحة فنية رائعة- بالقرب منها.

وحين كانت تمطر بالخارج، دخلت إلى محل Artigianato Rallo لبيع الصنادل حسب الطلب، وهو ماتشتهر به هذه المدينة الصغيرة، وماتشتهر به كابري أيضًا- هناك محل صنادل شهير في كابري قد ابتاعت منه الأميرة ثريا وغريس كيلي وجاكلين كينيدي صنادل اُشتهرت بسببهم-.
أما في هذا المحل الصغير الذي تشغله عائلة إيطالية منذ سنوات عديدة فالجلود إيطالية، والمقاس والتصميم والألوان على حسب الطلب. 

هذه أول مرة أجرب فيها شراء صندل بالطريقة التي أريدها. أُخذ مقاس قدمي من خلال عدة نعال جلدية وضعت قدمي عليها، واخترت تصميم الصندل ولون الجلد. وفي أقل من نصف ساعة كان الصندل الإيطالي الصنع والمريح جاهزًا للمشي!

شوكولاتة Z:

ترددت لسنوات كثيرة في تجربة هذه الشوكولاتة وتراجعت بسبب سعرها، ولكنني قررت أخيرًا وعزمت على شرائها في عيد الفطر كعيدية لذيذة لي. توفر لي كوبون بزيادة كمية الشوكولاتة إلى الضعف، فاستخدمته. وقرأت أن الشوكولاتة ستكون مغلفة بألواح من الثلج، لذلك لم أتردد في طلبها في شهر يونيو.

لكنها وصلتني قبل العيد بيومين هكذا:

تواصلت معهم واعتذروا مني على الفور في رسالة الكترونية مطولة، وأخبروني بأنهم سيرسلون إليّ كمية جديدة لكن ستكون بعد العيد. انتهزت الفرصة لأن اتذوق الشوكولاتة المجانية هذه – وإن كانت ذائبة- في انتظار الشوكولاتة القادمة.
وصلتني الشوكولاتة (علبتين منها بسبب العرض) في عبوات مضاعفة من الثلج من أجل حفظ حرارتها، وكانت مغلفة بداخل كيس قماشي فخم ومعها كتيب يحتوي على وصف لجميع أنواع الشوكولاتة. كان طلبي هو الشوكولاتة ”التقليدية“ والتي تحتوي على شوكولاتة بنكهات مختلفة. حجم الشوكولاتة صغير للغاية، قد يكون أكبر قليلًا من حجم رأس الإبهام. كل شوكولاتة مرقمة من الصفر إلى رقم ١١، بالإضافة إلى الحرف z، وكل رقم له طعم مختلف عن غيره. قررت أن أتناول قطعة واحدة يوميًا بالترتيب.
هل أعجبتني؟
الشوكولاتة ممتازة، لكن سعرها مرتفع للغاية (١٥٦ ريال + بالإضافة إلى سعر الشحن من فرنسا إلى السعودية عبر دي اتش ال). من الممكن أن أعيد التجربة لكن باختيار النكهات التي أعجبتني.

معالج نوف المطلق: 

سمعتُ كثيرًا بين أوساط السوشال ميديا عن هذا المعالج. يعتبر شعري ناعمًا (ويفي) ولكن به نفشة، لذلك أحتاج إلى تصفيفه إن أردت الذهاب إلى المناسبات الكبيرة أو بعض المناسبات الأخرى- ليس لدي ”سشوار“ ولكني استخدم في بعض الأحيان السيراميك-. وبما أنه يُسوق له بأنه طبيعي من مكونات طبيعية ولا يفرد الشعر كما البروتين البرازيلي -وتستطيع حتى الحامل والمرضع استخدامه-تحمست لتجربته. انتظرت لبعض الوقت حتى حصلت على خصم واشتريت الحجم الكبير منه. 

وصلني في خلال أسبوعين، الطرد كان مرتبًا والتعليمات واضحة. كل ما أحتاجه هو توزيعه على شعري والانتظار حسب المدة المطلوبة ومن ثم استخدام السيراميك وعدم غسله بعدها ل٣ أيام. اتفقت مع إحدى مصففات الشعر أخبرتني أنها خبيرة في تطبيق البروتين وغيره من المعالجات.

لم أجرب معالج على شعري من قبل، كما أنني لم أصبغ شعري ولا أستخدم الحناء. لا أستخدم سوى شامبو وبلسم من ايهرب. لذلك كانت مفاجأة لي عند خروج دخان كثيف من شعري له رائحة مزعجة وكذلك مسيل للدموع. للجمال ضريبة؟

كانت النتيجة جيدة في أول الأيام، تلاشت أغلب النفشة، حرصت على استخدام شامبو وبلسم مخصصين للبروتين. لكن بعد أسبوعين بدأت النفشة السابقة في الظهور وبدأ البروتين بالتلاشي، حتى اختفت نتيجته خلال ٦ أسابيع.

هل سأجربه مرة أخرى؟
قد يكون مناسبًا لغيري. لكن مع السعر المرتفع ومع مدة بقائه، لا.

وأخيرًا، أود أن أُريكم عيديتي لصديقاتي ولأهلي أخذتها من متجر فستق. نبات البوتس بداخل كوب مع كرت معايدة وبطاقة لكيفية العناية بها! أليست لطيفة؟

لماذا لا نستطيع أن نثق بأنفسنا؟

Soter Art


”مشكلة العالم أن الأغبياء والسذج يبدون واثقين للغاية من أنفسهم، بينما الأشخاص الأكثر حكمة مليئو بالشكوك“ – برتراند رسل

على مر السنوات، أصبحتُ معتادًا على الارتياب والشك، وعلى التشكك في كل المعتقدات الراسخة، وممارسة الشك في كل شيء، وبالأخص الشك في الذات.

أدمغتنا لايُعتمد عليها بالأساس، وليس لدينا أدنى فكرة عما نتحدث عنه حتى وإن ظننا ذلك. هذه ٨ أسباب توضح لك- اعتمادًا على علم النفس- لماذا لا تستطيع أن تثق بنفسك.

١- لأنك شخص منحاز وأناني دون أن تعي ذلك:

في علم النفس هناك مُصطلح يُدعى بتحيّز الفاعل-المراقب، باختصار يخبرنا بأننا جميعنا أغبياء. 

على سبيل المثال، إذا كنت تقود سيارتك في تقاطع وهناك شخص ما اجتاز الإشارة الحمراء، في الغالب ستعتقد أنه أناني ويعرض الآخرين في خطر من أجل ثوان معدودة.

لكن في الجهة المقابلة، إذا كنت أنت من اجتاز الإشارة الحمراء فستعتقد في الغالب أنك بريء وارتكبت خطأ بسبب عدم رؤيتك للإشارة المحجوبة من أغصان الشجرة، وأن اجتياز الإشارة الحمراء لم يؤذِ أي شخص. 

الفعل هو ذاته، لكن عندما يقوم به الآخرون فإنهم سيئون، وعندما تقوم به أنت فإنه خطأ. 

كلنا نفعل هذا الأمر، خاصة في الخلافات. عندما يتحدث الناس عن شخص ما أغضبهم لسبب أو لآخر، فإنهم يصفون أفعاله بالهراء، وأن ورائها نية خبيثة. 

لكن، عندما يتحدث الناس عن المرات التي آذوا فيها شخص ما، فإنهم يبررون ذلك لأسباب منطقية وعادلة، وأنهم لم يكن لديهم الخيار فيما فعلوه. 

كلا الرأيين قد يكونا مخطئين. هناك دراسات أُجريت من قبل علماء النفس وجدوا فيها أن كلا من الضحية والجاني يشوهان الحقائق لتصبح مناسبة لرواياتهما.

يطلق ستيفن بنكر على هذا الأمر ب“الفجوة الأخلاقية“ والتي تعني أنه عندما يكون هناك خلاف ما، فإننا نبالغ في تقدير نياتنا الطيبة ونقلل من تقدير نيات الآخرين. وهذا مايخلق دوامة تجعلنا نؤمن بأن الآخرين يستحقون أشد العقاب وأننا نستحق عقابًا أقل.

وكل هذا يصدر منا بلا وعي، بالطبع. إن الناس عندما يفعلون ذلك يعتقدون بأنهم منطقيون وحيادون تمامًا. لكنهم ليسوا كذلك.

٢- ليس لديك أدنى فكرة عما يجعلك سعيدًا أو تعيسًا!

في كتاب(التعثر بالسعادة) لدانييل قلبرت، عالم النفس في هارفارد، يوضّح لنا كيف أننا نفشل في تذكر الأحاسيس التي شعرنا بها في الماضي بسبب أمر ما، ونفشل في تخمين كيف سيجعلنا هذا الأمر نشعر في المستقبل.

على سبيل المثال، إذا خسر فريقك الرياضي المفضل البطولة الكبرى، فإنك ستشعر بالسوء. لكن ذاكرتك لم تجعلك تشعر بالسوء الذي شعرت به في ذلك الوقت. في الواقع، إنك تتذكر الأمور السيئة بشكل أسوأ مما كانت والأمور الجيدة بشكل أفضل مما كانت.

وهذا الأمر ينطبق على المستقبل، فإننا نبالغ في تقدير الشعور الذي ستؤثر به علينا بعض الأمور الجيدة، والشعور الذي ستتركه علينا بعض الأمور السيئة.. لكننا في الحقيقة لا نلقي بالًا لما نشعر به في ذلك الوقت.

وهذه الحجة تجعلنا لا نطارد السعادة من أجل ذاتها. فكل المعلومات المتوفرة تدل على أننا لا نعرف ماهي السعادة، وليس باستطاعتنا أن نتحكم فيها إذا بلغناها.

٣- من السهل التلاعب بك حتى تتخذ قرارات سيئة: 

عندما تشاهد أشخاصًا في الشارع يوزعون أشياءً مجانية، فإنك تهرع إليهم لأخذ واحدة. وستكتشف عاجلًا أنهم يرغبون في إلقاء بعض الأسئلة عليك من أجل أن تنضم إليهم أو لإعطائهم بعض الأموال. ستشعر بعدها بالإحراج لأنك لا ترغب في قول ”لا“ لهم خاصة إنهم أعطوك شيئًا مجانيًا وبالطبع لا تود أن تكون شخصًا أخرقًا. 

نعم، مافعلوه كان عن قصد.

من السهل التلاعب بالناس عند اتخاذهم للقرارات بواسطة حيل عديدة، ومنها إعطائهم الهدايا قبل المباشرة في السؤال.

يمكنك أن تجرب هذه الحيلة: إذا رغبت في قطع الطابور على أحدهم، اسألهم إذا ماكان باستطاعتك ذلك وأعطهم سببًا، أي سبب:

أنا مريض، أو إنني في عجلة من أمري

وسيتضح لك، وفق التجارب، أنه سيكون بإمكانك قطع الطابور بشكل أكبر بمقدار ٨٠٪ وأن يسمحوا لك بذلك إذا سألت فقط دون أن تقدم لهم أي توضيح. لأن التوضيح لا يحمل لهم أي معنى.

أوضح علماء الاقتصاد السلوكي أنه بالإمكان ”تجهيزك“ لأن تفضّل سعرًا لمنتج ما على الآخر دون سبب منطقي. على سبيل المثال:

mm.net

 

على اليسار، تجد أن الفرق بين السعرين كبير وغير منطقي. لكن لو أضفت خيارًا ثالثًا – كما في الصورة اليمين- ستجد أن خيار العلبة ذات ال٣٠ دولارًا أصبح منطقيًا وتبدو أنها صفقة ممتازة لك. 

مثال آخر: إذا أخبرتك أنه باستطاعتك السفر بألفين دولار إلى باريس ويتضمن ذلك طعام الإفطار، أو رحلة إلى روما مع طعام الإفطار، أو رحلة إلى روما بدون طعام الإفطار؟ اتضح أن الكثير اختاروا رحلة إلى روما بدلا من باريس. لماذا؟ لأنه عندما كان هناك خيار رحلة روما بدون طعام الإفطار، اعتقدوا أن روما مع طعام الإفطار تبدو صفقة ممتازة ونسوا تمامًا أمر باريس. 

٤- لأنك تستخدم المنطق والعقل فقط لدعم معتقداتك الموجودة سابقًا:

وجد الباحثون أن بعض الأشخاص المصابين بتلف في الأجزاء البصرية من أدمغتهم، مازالوا ”يرون“ ولا يدركون أنهم يرون. هؤلاء عُمي وسيُخبرونك بأنهم لايستطيعون رؤية أيديهم التي أمامهم. لكنك إذا أضئت نورًا صغيرًا على جهة اليمين أو اليسار من الرؤية، سيتمكنون من تخمين أي جهة كان النور بشكل صحيح. 

ولكنهم سيظلوا يخبرونك بأن هذا مجرد تخمين!

ليس لديهم أية فكرة واعية عن لون حذائك، لكنهم يعرفون من أي جهة صدر النور.

وهذا يوضح فكرة عن دماغ الإنسان: أن المعرفة والشعور بمعرفة المعرفة هما شيئان مختلفان. 

وكما هؤلاء الأشخاص العُمي، فإنه بإمكاننا الحصول على كل المعرفة بدون أن نشعر بالمعرفة. لكن العكس أيضًا صحيح: تستطيع أن تشعر بأنك تعرف شيء ما حتى ولو كنت في الحقيقة لا تعرف. 

وهذا هو أساس كل أنواع الحياز والمغالطات المنطقية. فالمنطق المتحفز والإنحياز التأكيدي يبتعدان كثيرًا عندما لا نعترف بالفرق بين ما نعرفه في الحقيقة وبين مانشعر بأننا نعرفه. 

٥- مشاعرك تُغيّر من تصوراتك بطريقة أكثر مما تتخيل: 

إذا كنت مثل أغلب الناس، فإنك تميل إلى اتخاذ قرارات سيئة للغاية بناء على مشاعرك. زميلك في العمل مازحك بشأن حذائك، وشعرت بالإنزعاج لأن هذا الحذاء أُهدي إليك من جدتك المتوفاة، لذلك فإنك تفكر ”تبًا لهؤلاء الأشخاص“ وتقرر أن تستقيل من وظيفتك لتعيش على الشؤون الاجتماعية. بالطبع كان قرارًا غير منطقيًا لكنه يسوء مع مرور الوقت. 

اجتناب اتخاذ القرارات المهمة عندما تثار مشاعرنا ليس بالأمر الكافي. وُجد أن المشاعر تؤثر على اتخاذ القرارات لأيام، ولأسابيع، بل وحتى لشهور لاحقة، حتى وإن كنت هادئًا وحللت الموضوع من جميع الجوانب. وما يثير الاستغراب أكثر أن المشاعر قصيرة الأجل من الممكن أن تؤثر على قراراتك على مدى أطول.

دعنا نقول بأن هناك شخص من أصدقائك يود مقابلتك لشرب القهوة. لسبب ما، فإن هناك شيء ما بداخلك يخبرك بأن تحذر أكثر على الرغم من أنه يعجبك هذا الشخص وتود الخروج لمقابلته. أنت حذر لكنك لا تعلم لماذا.

ما نسيته هو أنه كان لديك صديق آخر تحبه في الماضي ثم تجاهلت صداقته لوقت طويل. ليس هناك سبب كبير، لكن الشخص كان منفعلًا في مواقف صغيرة قد حصلت في الماضي. تمر الأشهر ونسيت صداقته بسبب مشاغل الحياة. لكن هذه المواقف الصغيرة أزعجتك وقد جرحتك قليلًا. أما الآن فإنك لست متأكدًا من حذرك تجاه الصديق الجديد، على الرغم من أنه مختلف تماما والأحوال قد تغيرت.

إنك في الأصل تتأثر بذكرياتك في لحظة اتخاذك للقرارات بشكل ما إما بشهور أو سنوات بعدها. وتفعل ذلك دائمًا بدون وعي منك. حتى المشاعر التي لاتتذكرها والتي مضى عليها أكثر من ٣ سنوات تستطيع أن تؤثر في اتخاذ قرار مثل إما أن تشاهد التلفاز أو تخرج مع أصدقائك اليوم. 

٦- ذاكرتك سيئة للغاية:

تُعد إليزابيث لوفتوس من أكبر الباحثين في مجال الذاكرة، وأول شيء ستُخبرك به أن ”ذاكرتك سيئة للغاية!“

وجدت اليزابيث أن ذكرياتنا عن الأحداث الماضية تُعدل بسهولة بتجارب سابقة أو جديدة، وبمعلومات خاطئة أيضًا. جعلتنا ندرك أن الشهادة التي يُدلي بها شهود العيان لا يُعتمد عليها.

ماوجدته اليزابيث كان كالتالي:

  • ليست فقط ذكرياتنا للأحداث هي التي تختفي مع مرور الوقت، وإنما أيضًا تصبح أكثر عرضة للتضليل كلما تقدم بنا الزمن.
  • تحذير الناس بأن ”ذكرياتهم من الممكن أن تحمل معلومات مضللة“ لا يساعد دائمًا على محو المعلومات المضللة.
  • كلما كنت شخصًا متعاطفًا أكثر، كلما كنت أكثر قابلية لدمج المعلومات المضللة بذكرياتك.
  • ليست فقط الذكريات هي التي قد تُعدل بمعلومات مضللة، وإنما هناك احتمالية أن تُنشأ هذه الذكريات من الأساس بشكل كامل. بل نصبح سريعين التأثير خاصة عندما يكون أفراد العائلة أو الأشخاص الآخرين الذين نثق بهم هم الذين يضعون لنا هذه الذكريات.

لذلك فإن ذاكرتنا لا يُعتمد عليها كما نظن. حتى بالنسبة للذكريات التي نظن أننا نعلم بصحتها.

في الواقع فإن علماء الأعصاب يستطيعون التخمين عما إذا كنت ستفشل في تذكر حدثٍ ما بناء على نمط نشاط دماغك. فدماغك ليس حاسوبًا تستطيع أن تخزن عليه الملفات التي تود تخزينها. إن ذاكرتنا تساعدنا على التعلم من الأمور الماضية من أجل اتخاذ قرارات صحيحة في المستقبل. لكن الذاكرة لديها وظيفة أخرى بالكاد أن نفكر بها، وهي الوظيفة الأكثر أهمية وتعقيدًا من تخزين المعلومات.

إننا كبشر نحتاج إلى هوية، الإحساس ب“من نحن“، حتى نستطيع التنقل بين الأوضاع الاجتماعية المعقدة. إن ذاكرتنا تساعدنا على خلق هوياتنا عن طريق تزويدنا بحكاية لماضينا.

وبهذه الطريقة، لا يهم مدى صحة المعلومات التي تقدمنا لنا ذاكرتنا. كل مايهم أننا نحمل فينا قصة لماضينا تخلق لنا شعورًا بمن نحن، إحساسًا بالذات. وبدلًا من استخدام ١٠٠٪ من الذكريات الدقيقة لفعل ذلك، فمن الأسهل استخدام ذكريات مشوشة ومن ثم ملئها بتفاصيل بطريقة أو بأخرى حتى تصبح متناسقة مع ذواتنا من أجل أن نرضى عنها.

قد تتذكر أن أخوك وأصدقاؤه قد أساؤوا إليك في الطفولة واستهزئوا بك كثيرًا. وهذا يفسر لك سبب شعورك الآن بالقلق والخجل. لكنه من المحتمل أنه لم يؤذيك بالقدر الذي تظنه. من الممكن أنك عندما تتذكر أخوك وهو يسخر منك، فإن مشاعرك التي تشعر بها الآن – مشاعر القلق والخجل- تتكوم على هذه الذكريات وربما تكون هذه المشاعر ليست لها صلة بما فعله أخوك. 

لكن هذه الذكرى تُشعرك بالسوء طوال الوقت، وسواء كانت حقيقية أم لا، لكنها تُناسب هويتك كإنسان خجول وقلق بعض الشيء، وتمنعك من فعل الأشياء التي قد تسبب لك الإحراج والألم في حياتك. بشكل أساسي، إنها تبرر لك الأسلوب الذي تتبعه خلال يومك.

وربما تتساءل: ”حسنًا..هل تخبرني بأن (الشخص الذي أظنه أنه أنا) عبارة عن أفكار مُختلقَة في عقلي؟

نعم!

٧- أنت لست الشخص الذي تظنه أنه أنت!

فكر في الأمر التالي: الطريقة التي تعبر عن نفسك من خلالها، مثلا في فيسبوك، ليست الطريقة ذاتها التي تعبر عن نفسك خلالها خارج فيسبوك. الطريقة التي تتصرف بها وأنت مع جدتك مختلفة تمامًا عن الطريقة التي تتصرف بها مع أصدقائك. لديك ”ذات للعمل“ و ”ذات للبيت“ و ”ذات للعمل“ وأخرى ”ذات لوحدك“ بالإضافة إلى العديد من الذوات التي تتقمصها من أجل أن تتنقل وتنجو في عالم اجتماعي معقد.

لكن أي من هذه الذوات هي ذاتك الحقيقية؟

ربما تعتقد أن إحدى هذه الذوات أكثر واقعية من غيرها، لكن كل ماتفعله أنت هو أنك تعيد قراءة قصتك عن نفسك في مخيلتك، وهو أمر مصنوع من معلومات غير كاملة.

خلال العقود الأخيرة، بدأ علماء النفس الاجتماعي بالكشف عن أمر يصعب على الكثير منا تقبله: إن فكرة ”صميم الذات“ أو ذاتك الدائمة وغير المتغيرة عبارة عن وهم. كذلك هناك دراسة جديدة بدأت بالكشف عن كيف أن الدماغ من الممكن أن يؤسس إحساسًا بالذات، وكيف أن المخدرات قد تغير الدماغ بشكل مؤقت حتى يتلاشى إحساسنا بالذات، وهذا يبين لنا كيف أن هوياتنا وهمية وعابرة. 

لكن المضحك في كل ذلك هو أن هذه التجارب الفاخرة والمنشورة في الكتب والمجلات الدورية الفاخرة من قبل علماء بارعون يخطون أسمائهم عليها .. أنهم يخبرونا بما قاله الرهبان في التقاليد الفلسفية الشرقية، وكل ماكان عليهم فعله هو الجلوس في الكهوف والتفكير بااللاشيء لمدة سنوات. 

ففي الغرب، فكرة الذات الفردية هي فكرة محورية للكثير من المؤسسات الثقافية – ولاننسى ذكر مجال الدعايات- ومازلنا نحاول أن نخمن من نحن لدرجة أننا لانتوقف إلا فيما ندر حتى نفكر ما إذا كانت أصلا مفهومًا نافعًا لنبدأ به. من الممكن أن فكرة ”الذات“ أو ”ابحث عن نفسك“ تعيقنا أكثر مما تساعدنا. من المحتمل أنها تقيدنا أكثر مما أنها تحررنا. نعلم أنه من المفيد معرفة ماذا ترغب به أو ما الذي يُمتعك، لكنك مازالت تستطيع أن تسعى وراء أحلامك وأهدافك بدون الاعتماد على مفهوم صارم لذاتك.

أو كما قال بروس لي: 

٨- تجاربك المادية عن العالم أيضًا ليست حقيقية!

لديك جهاز عصبي معقد ورائع يُرسل المعلومات بشكل دائم إلى دماغك. وعلى حسب بعض التقديرات، فإن أنظمة الحواس لديك – السمع والبصر والتذوق واللمس والشم والتوازن- تُرسل حوالي ١١ مليون جزء من المعلومات لدماغك كل ثانية!

لكن هذا عبارة عن عينة صغيرة غير محدودة وغير مُدركة من عالم المادة حولك. فالضوء الذي نراه هو نطاق صغير من الطيف الكهرومغناطيسي. بإمكان الطيور والحشرات أن ترى أجزاء منها لانستطيع بدورنا أن نراها. تستطيع الكلاب أن تسمع وتشم أشياء لا نعرف أصلا أنها موجودة. نظامنا العصبي ليس مجرد أجهزة لجمع للمعلومات بل بالأحرى أجهزة لفرز المعلومات. 

وفوق كل هذا، فإن عقلك الواعي يبدو أنه يستطيع فقط أن يتحمل حوالي ٦٠ جزءا من المعلومات كل ثانية عندما تكون مشغولًا بالنشاطات العقلية (مثل القراءة، والعزف..).

لذلك، فإنه في أفضل حالاتك، تكون واعيًا لحوالي ٠.٠٠٠٠٠٥٤٥٤٪ من المعلومات الثقيلة والمُعدلة والتي يستقبلها دماغك كل ثانية أثناء يقظتك. 

هذا يشبه أن تتخيل أنه في كل كلمة رأيتها وسمعتها في هذه المقالة، هناك ٥٣٦،٣٠٣،٦٣٠ كلمات أخرى مكتوبة لكنك لم تراها!


مقالة مترجمة بتصرف عن مارك مانسون: 
Why you can’t trust yourself

المناقشات المشّاءة

هل جربتم الثرثرة مع صديقكم المفضل خلال المشي لمسافات طويلة؟

في هذه الأيام التي يصعب فيها مواجهة الشمس تستثيرني بعض الذكريات، منها ذكريات المشي لساعات طويلة مع صديقتي غادة. كنتُ أقابل غادة في ساحة جامعة ميغيل أو كونكورديا، ومن ثم ننطلق على أقدامنا إلى شرق مونتريال ونحن نتحدث في أي موضوع يتبادر إلى الذهن. قد تبدأ النقاشات حول الدراسة وعن خططنا مستقبلية، لكننا مانلبث أن نعرج على معنى السعادة ونظرتنا إلى الوجود. ليس هناك أي قواعد لهذه الرحلة. أستطيع مقاطعة غادة وهي تتكلم معي في أمر مهم لأقول لها ”شوفي كيف هذه البناية شكلها حلو“ ومن ثم نتحدث متحسرين عن عدم اهتمامنا بتصاميم المباني وننسى موضوع غادة المهم. تستطيع هي أن تضحك على طريقة كلامي فجأة وبعدها نعود إلى موضوع كنا نتناقش فيه قبل ساعة لأننا أصبحنا لاندري عما كنا نتحدث عنه قبل قليل. من الممكن أن تشرح لي بإسهاب مطوّل في نصف ساعة عن أمر تستطيع أن تقوله في ٥ دقائق، لكنني أصغي إليها جيّدًا. قد ندخل فجأة إلى محل قهوة لنجربه، أو إلى محل آخر لنتحدث مع صاحبه، أو قد نقف قليلًا لنلتقط صورة لعبارة مكتوبة على الجدار.

سقراط كان ”من أعظم المشائين“ كما يقول جبرا ابراهيم جبرا، بل وإن “الكثير من الأفكار الفلسفية اليونانية تبلورت في أذهان أصحابها وهم يتمشون ساعات طوالا في أكاديمية أفلاطون وأرسطو”. لا أقول أنني وغادة قد أصبحنا فلاسفة بمجرد المشي- مع أنني أؤكد حصول هذا الأمر بمعناه الشعبي المتداول- لكن هذه الرحلات الجميلة أثْرتني كثيرًا. فقد نتج عنها زيارات لمسجد صوفي، ومعبد يهودي، ومحاضرات، ومحلات عربية، ومقاهي متنوعة، وبالطبع أسئلة ونقاشات مفيدة ومخططات والكثير الكثير من الضحك.

”كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي“ هكذا يقول نيتشه، لكن لابد أن تكون أفكار المرء عظيمة إذا كان يمشي مثل نيتشه في ربوع سويسرا. عمومًا، هناك دراسة تُفيد بأن المشي يُنتج الأفكار الإبداعية وإن كان ذلك على جهاز السير الكهربائي، لكن أين توجد الصحبة أثناء المشي على السير؟

هنا بعض الصور التي التقطتها أثناء رحلات المشي مع غادة

سنة أولى أمومة 

The Three Ages of Woman by Gustav Klimt

في طفولتي، وعندما كانت تدار الأحاديث والنقاشات مع زميلات الدراسة حول الأمومة و”كم طفلا تريدين أن تنجبي في المستقبل؟“ كان جوابي دائمًا ”١٢ طفلًا!“ 

تأخر هذا المشروع كثيرًا بسبب الغربة والدراسة، وما إن حصلت على الماجستير حتى قررت أن أدخل عالم الأمومة. قرأت الكثير من الكتب عن الحمل والرضاعة والولادة والتربية وكيفية تهدئة الطفل الباكي وغيرها. حمّلت تطبيقات مختلفة حتى أراقب مراحل حملي وتطور الجنين، وعملتُ جاهدة على تحسين مزاجي ونفسيتي”حتى لا يولد الطفل كثير البكاء“. تناولت ٤٠ غرامًا من البروتين بشكل يومي (هذا الحد الأدنى من البروتين للحامل كما يوصي به أطباء مايو كلينيك في الكتاب) وكنت أُحصي عدد الغرامات في البيض واللوز والحليب والدجاج.. حرصتُ على لعب الشطرنج بشكل دائم، والتحدث إلى بطني المنتفخة، وقراءة رسالة الغفران في بعض الأيام بصوت مرتفع. وبالطبع، اشتريت كل ما وجدته مناسبا لطفلي.

ظننت أنني مستعدة، لكنني لم أكن كذلك. 

وُلدت طفلتي سارة في شهر مارس، وكان قدومها إلى حياتي مثل شهر الربيع الذي وُلدت فيه. وفي خلال السنة التي كبُرت فيها، كبرتُ أنا أيضًا. أدركت أن النظريات والأمور التي تعلمتها من الكتب عن الأمومة والطفل مختلفة تماما عن التطبيق. فقد قرأتُ كتابًا ضخما عن الرضاعة الطبيعية وأعلنتُ أمام الجميع بأن الرضاعة أمر أستطيع تدبيره، لكنني في الأيام الأولى عانيتُ كثيرًا، وكأنني تعلمت من الكتب قيادة الطائرة ثم وجدتُ نفسي فجأة أقود طائرة. على الرغم من ذلك، أستطيع أن أقول الآن أن قراءتي في الكتاب الضخم قد أثمرت نتائجه.

الأمومة عالم جميل، لكنني لم أدرك جماله حتى استقرت هرموناتي وانتظم نومي بعض الشيء (مازلت لا أنام ٤ ساعات متواصلة حتى اليوم). وفي عالم الشبكات الإجتماعية المادية التي تتغنى بجمال الأمومة، لايحدثوننا عن الليالي الطويلة التي تمضيها لوحدك مع طفلك حتى تنقض عليكِ الأفكار الوجودية، ولا عن الخوف الذي يعتري إحدانا من موت المهد- فقد يختنق الطفل بسبب وضعية نومه أو ميل الأم النائمة والمحرومة من النوم عليه-. في الأيام الأولى، يرضع الطفل كل ساعتين لمدة تصل إلى ٣٠-٤٠ دقيقة (هذا يعني أن الأم بالكاد تنام أكثر من ساعة تقريبًا!). كنت أحتاج إلى شيء يُبقيني مستيقظة حتى لا أُفلت طفلتي من يديّ أو أنام في وقت الرضاعة، فكان رفيقي تطبيق الشطرنج Chess. خسرتُ نقاطًا كثيرة وتراجع مركزي فيها لأنني كنت أنسحب منها وإن كنتُ متقدمة في اللعب حالما تنام طفلتي حتى أخلد إلى النوم فورًا. أذكرُ أنني كثيرًا مااستيقظتُ مفجوعة ظانة أنني استغرقت في النوم وفي يدي طفلتي فأجدها نائمة بجانبي في سريرها.

نضجتُ كثيرًا. 

في المتوسطة، تُوفي شقيق صديقتي. ذهبت إلى منزلها لأعزيها، وعندما علمتُ أنه كان صغير السن -في الإبتدائية- أخبرتها من باب المواساة ”الحمدلله إنه صغير..“. كانت تحرك رأسها من قبيل الموافقة. لكني كلما أذكر جملتي هذه أجدني أحرك رأسي حنقًا على نفسي. أدركتُ الآن معنى أن يظهر شخص في حياتك لبضعة أسابيع أو أشهر فيُصبح حياتك كلها. أستطيع الآن أن أفهم الحزن في عينيّ أمي عندما يُنطق اسم أخي الصغير أمامها رغم مرور أكثر من ٢٥ عامًا على وفاته.

كبرتُ فعلًا، وأصبحت لديّ ٥ شعرات بيضاء!

أفكر في طفلتي كثيرًا حتى أثناء كتابتي لهذه السطور. عندما تتحرك طفلتي في اتجاه ما، تتحول صورة المكان في مخيلتي فورًا إلى خارطة أحدد فيها أماكن الخطر فأسرع إليها.. طرف طاولة، درج، شيء ما يلمع في الأرض، حافة الأثاث.. أمازح صديقتي بأن هذا النشاط أصبح رياضتي اليومية. بل كان الاستحمام في الأيام الأولى وسيلة ممتازة للترفيه عن النفس خاصة مع لزوم البيت.

لديّ حلم ثابت يراودني في المنام منذ طفولتي: أحلم بأنني أفتح نافذة غرفتي في المدينة وأقفز منها حتى أطير. هذا الحلم تغيّر الآن بعض الشيء، أصبحتُ أحمل طفلتي وأنا أطير. هل مازلت أود إنجاب١٢ طفلا يطيرون معي؟ لا أعتقد بالطبع.

كبرت طفلتي وكبرت معها، وأصبحَت في شهر مارس عامًا واحدًا. كل عام وأنتِ بخير ياصغيرتي!

المجد للورق

ines vilpi


في عام ٢٠١٤، وقع جوالي على الرصيف وانكسرت شاشته. كنتُ حينها في سان فرانسسكو، وكنت أخالني محظوظة لأن زوجي أحضر اللاب توب الخاص به إذ نقلتُ الصور والفيديوهات جميعها على ملف في كمبيوتره. لكني لم أُسمّه لاستعجالي وجعلت الملف كما هو New Folder، أعطيت جوالي لمتجر آبل بعد مسح البيانات واستبدلوا جهازي بواحد جديد. 

رجعت إلى مدينتي ومضت الأسابيع واحتجتُ إلى صورة كانت في جوالي القديم، لكن المفاجأة أنني لم أجد الصور بأكلمها على الكمبيوتر. أغلب الظن أن هناك ملف جديد لم يُسمى أيضًا نُسخ على الملف الذي كان بداخله الصور والفيديوهات الخاصة بجوالي. 

لحسن الحظ أنني بين فترة وأخرى أنسخ صورًا احتياطية من جوالي إلى جهازي اللاب توب، لكن هناك فترة من الزمن قبل كسر الجوال – بضعة أشهر- اختفت تماما بسبب تكاسلي في نسخ الصور والفيديوهات. صور لرحلة إلى مدينة جديدة ولنزهات ولأشخاص ولمطاعم ولمقاهي كلها مُسحت بسبب هذا الخطأ غير المتوقع.. ضغطة زر!

أصبحت مهووسة بعدها في الاحتفاظ بالصور عن طريق نسخها إلى أجهزة متعددة أو باستخدام الآي كلاود. بعد وفاة والدي رحمه الله، حرصت على طباعة الصور المفضلة لديّ، وحرصت أكثر على استخدام الورق في أغلب الأمور. 

لديّ طابعة صغيرة بدون حبر من أجل طباعة الصور للأجندة اليومية- ذكرتها في تدوينة سابقة-. ومؤخرًا بعد تردد استمر لأكثر من عامين، اشتريتُ طابعة كانون جميلة من أجل طباعة الصور المفضلة كل بضعة أشهر. المجد للورق. الصور المطبوعة المحسوسة باليدين تبعث الشجون وتجلب الذكريات عند ملامستها.

قرأتُ سلسلة أحمد أمين (فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام..)، إلا أن الجزء الأول منها ”فجر الإسلام“ قرأته الكترونيًا، وكم ندمت لذلك، إذ أنني أحرص على تخطيط الاقتباسات وكتابة الأفكار في هوامش الكتب الورقية ولم أفعل ذلك مع فجر الإسلام سوى التقاط صور للشاشة. احتجت في كثير من الأحيان للعودة إلى الكتاب، ولأن دواء نسيان العلم الكتابة، فلا يوجد دواء لي في هذه الجزئية من السلسلة. 

الكتاب الورقي -غير الروايات- إذا كان مثريًا، فإنك في الغالب ستعود إليه وستقرأ الاقتباسات والملاحظات التي قمت بتخطيطها وتدوينها. لكن ماذا تفعل إذا وجدت بشكل الكتروني صعب التنظيم والوصول؟

وبالحديث عن الورق، تذكرت هذه التغريدة عن المرأة العراقية التي تدوّن يومياتها منذ أكثر من ٦٠ عامًا إلى الوقت الحالي:

أليس هذا جميلًا؟ تخيل نفسك تحاول أن تتذكر ماذا فعلت في ١٨ أو ١٩ مارس قبل ٤٠ أو ٥٠ سنة؟

هذا أرجعني إلى مقالة لسوزان أورلين حين كتبت:
”يقول الكاتب أمادو همباتي با: “في إفريقيا عندما يرحل رجلٌ مُسن، فإنَّ ذلك يكون بمنزلة احتراقِ مكتبةٍ بالكامل”. لم أفهم المقولة حينما سمعتها لأول مرة، ولكن مع مرور الوقت، بدأت في استيعاب المقصود بشكلٍ كامل. إن عقولنا وأرواحنا تحتوي على مجلداتٍ مكتوبة بواسطة تجاربنا وعواطفنا، ووعي كل فردٍ هو مجموعةٌ من الذكريات المفهرسة والمخزنة بالداخل، إنه أشبه بمكتبة خاصة بالمرء وحده والتي يستحيل مشاركة كامل محتواها مع الآخرين، إنها تحترق بمجرد رحيلنا، ولكن إن كان بإمكانك أخذ شيءٍ منها ومشاركته مع أحدهم أو مع العالم الأكبر. على صفحةٍ أو كقصةٍ تُحكى، فإنها ستعيش للأبد.“