عبق المنازل

Illustration by Merlin

“بوسع البشر أن يغمضوا أعينهم أمام ماهو عظيم أو جميل، وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان والكلام المعسول ولكن ليس بوسعهم الهروب من العبق لأنه شقيق الشهيق، معه يدخل إلى ذواتهم، ولايستطيعون صدّه إن رغبوا بالبقاء على قيد الحياة، إنه يدخل إلى أعماقهم، الى القلب مباشرة، حيث يتم الفصل الحاسم بين الميل اليه أو احتقاره، بين القرف منه أو الرغبة فيه، بين حبه أو كرهه.”

في إحدى الأيام وجدتُ كيسًا في زاوية المجلس، فتحته من باب الفضول لألقي نظرة ثم قلت لأمي مؤكدة لها”هذا من أم فيصل“ 

عرفتُ مصدر الكيس من رائحته التي فاحت عند فتحه. أعرف رائحة منزل صديقة أمي جيدًا، له رائحة مميزة كبقية البيوت التي زرتها. فكل بيت بالنسبة لي له رائحة تميزه عن البيوت الأخرى. 

خطرت في بالي كتابة هذه التدوينة عندما خرجت إلى الشارع وشممت رائحة جميلة فقلت ”رائحة مطر“ مع أنه لم يكن هناك أي أثر للمطر على الشوارع والسماء صافية. أخبرتني صديقتي أنه نزل هتّان قبل فترة وجيزة. نعم للمطر رائحة، كما للشمس رائحة، ولأوقات الطبيعة روائح مثل رائحة الصباح الباكر وآخر المساء قبيل الفجر. 

أعرف جيدًا رائحة أمي، وأستطيع أن أُخرج طرحتها من بين عبائات النساء الأخرى، وكذلك رائحة ابنتي وكل فرد من العائلة. وكم تمنيت أن أحتفظ برائحة أبي رحمه الله.. ألم يتوصل العلم إلى طريقة نحتفظ بها بروائح أحبابنا إلى الأبد؟ 

هنا بعض الروائح التي تعيد لي ذكريات الطفولة:

 أقلام الرصاص والمسّاحات
الأقلام الملونة برائحة الفواكه
دواء الكحة بنكهة الفراولة 
الطباشير
كلور المسابح
بخور المستكة خاصة أيام رمضان والجُمع
رائحة نيسكويك
خبز البر المديني
التميس
الكتب في أول يوم دراسي
صمغ اليوهو

عطر راماج من برجوا، وعطر ريف دور
مطار جدة
فاكهة الخربز
الورد المديني والفل
الحبق

ماذا عنكم؟
أي الروائح تُعيد لكم ذكريات الطفولة؟

تجارب ومباهج ٢٠١٩

@raahatventures


كيف حالكم يا أصدقاء؟

مر عام ٢٠١٩ سريعًا، لكنه كان في المجمل عامًا لطيفًا. في تدوينة مختصرة، أود أن أشارككم بقائمة من بعض المباهج والتجارب التي أسعدتني في هذا العام، لعلها تنفث روحًا إيجابية بينكم:

  • تقويم حائط برسومات الليمون من سين ديزاين: يحتوي على التاريخ الميلادي والهجري. كان مرافقًا جميلًا لي في هذا العام.
  • بودكاست فنجان: “هنا كثير من المتعة والفائدة”.
  • حفلة باك ستريت بويز
  • مدينة بوسيتانو وجزيرة كابري
  • ختام مسلسل قيم أوف ثرونز💔
  • ساعة ابل: كنت مترددة في شرائها في البداية، لكنها تستحق ثمنها.
  • ماستركلاس: دروس مميزة وفريدة من نوعها، مازلتُ هناك .
  • رواية الحرافيش المذهلة لنجيب محفوظ. واحدة من أروع الروايات التي قرأتها في حياتي!
  • فرشاة The Humble Co. : وداعًا لتأنيب الضمير أثناء تغيير الفرشاة. مصنوعة من خشب البامبو.
  • شاي Royal Blend من Fortnum & Mason 
  • عطر Fiori di Capri من كارثوسيا 
  • باب النور
  • حفلة عمرو دياب 
  • عالم الأمس: سيرة ذاتية لزفايج. كتبت عنها في تدوينة سابقة، وأعود إلى ذكرها هنا مرة أخرى حتى أعلمكم أنها تستحق القراءة. 
  • زيارة لمكتبة دار الساقي: كان حدثًا مميزًا بالنسبة لي، إذ أنها الدار التي نشرت أغلب كتب غازي القصيبي والتي قرأتها في مراهقتي. ابتعت منها كتاب جوخة الحارثي (سيدات القمر).
  • مكتبة Aqua Alta
  • غداء تحت أشجار الليمون
  • جورنال الخمسة سنوات: فكرة هذا الدفتر تعتمد على تكملتك لجملة مختلفة مثل “آخر قرار اتخذته مؤخرًا..”، “آخر خبر جميل سمعته اليوم..”،أحتاج إلى مساعدة بشأن..”.. في كل يوم، ثم الإجابة على هذه الأسئلة في العام القادم والذي يليه وهكذا لمدة 5 سنوات. مر على اقتنائي لهذا الجورنال أكثر من ٣ سنوات، وفي كل مرة أقارن جمل العام الماضي- أو الأعوام الماضية- بالجملة الحالية. مثير ومخيف أحيانًا!
  • اشتراك سنوي من سيلفردجز: ب٢٠٠ ريال فقط تحصلون على شحن مجاني لامحدود طوال العام. أشتري العطور ومستحضرات التجميل لي ولأهلي من الموقع بدلا من سعرها المرتفع هنا. تستطيعون شراء أي منتج وإن كان رخيص الثمن وتحصلون عليه بشحن مجاني مباشرة من بريطانيا، أرخص من توصيل المندوب في مدينتكم!

ماذا عنكم؟
ماهي اللحظات السعيدة والأمور الجميلة التي حصلت لكم خلال هذا العام؟
كل عام وأنتم بخير

روتين هنري ميللر الإبداعي في الكتابة


في عام ١٩٣٢-١٩٣٣ وبينما كان هنري ميللر يعمل على كتابة روايته الأولى (مدار السرطان)، ابتكر روتين يومي صارم من أجل أن يحثه على الكتابة. من بين هذا الروتين قائمة بإحدى عشرة قاعدة كتبها لنفسه:

١- اكتب في موضوع واحد حتى تنهيه.
٢- لا تبدأ في كتابة كتب جديدة ولا تضف مواد جديدة إلى روايتك ”الربيع الأسود“.
٣- لا تكن عصبيًا. اشتغل بهدوء، وبمرح وصبر على عملك.
٤- اعمل وفقًا لبرنامج وليس حسب مزاجك. وتوقف عند الوقت المحدد.
٥- عندما لاتستطيع أن تبدع، بإمكانك أن تعمل.
٦- ابنِ شيئًا صغيرًا كل يوم بدلًا من أن تضيف سمادًا إلى شيء موجود.
٧- فلتكن إنسانًا! قابل الناس، زر أماكنًا، واشرب إذا كنت تشعر بالحاجة إلى ذلك.
٨- لا تكن مثل الحصان الذي يجر أثقالًا. اعمل باستمتاع.
٩- تجاهل البرنامج الذي تتبعه إذا شعرت بالحاجة إلى ذلك. لكن عد إليه في اليوم التالي. ركز. حدد. واستبعد ماتجده غير مناسبًا.
١٠- انسَ أمر الكتب التي تود كتابتها. فكّر فقط في الكتب التي تعمل على كتابتها الآن.
١١- أكتب أولًا وأخيرًا بشكل دائم. فالموسيقى، والرسم، والأصدقاء، والسينما كلها أمور تأتي بعد الكتابة.

تكررت كلمة البرنامج في الوصايا بالأعلى، فما هو برنامج هنري ميللر؟
البرنامج هو مخطط يومي من أجل الإنتاجية والإلهام يشمل روتينه الكتابي والصحة العقلية:
في الصباح:

  • إذا كنت في مزاج سيء، دوّن الملاحظات وقسّمها حتى تشجعك على الكتابة.
  • إذا كنت في مزاج جيد، فاكتب.

بعد الظهر:

  • اعمل على الجزئية الحالية، ثم الجزئية التي تليها بدقة. لا تسمح بأي تداخلات بينهما أو أي ملهيات عنهما. اكتب لتنتهي من جزئية واحدة في وقت واحد وبشكل دائم.

في المساء:

  • قابل أصدقائك. واقرأ في المقاهي.
  • اكتشف أمورًا غير مألوفة، على قدمك وقت البلل، وعلى الدراجة وقت الجفاف.
  • اكتب إذا كنت في مزاج يسمح بالكتابة، لكن بشكل بسيط.
  • ارسم إذا كنت مرهقًا أو في وقت فراغك
  • دوّن ملاحظاتك. خطط. ارسم الجداول. صحّح المخطوطات التي لديك.

ملحوظة: احرص أن يكون لديك أثناء النهار متسع من الوقت يكفي لزيارة المتاحف أو للرسم أو لركوب الدراجة. ارسم في المقاهي والقطارات والشوارع. ابتعد عن مشاهدة الأفلام! اذهب إلى المكتبة العامة من أجل المراجع مرة أسبوعيًا.

الترجمة عن:

Henry Miller’s 11 Commandments of Writing and His Daily Creative Routine 

 

كيف تعرفتم على أصدقائكم لأول مرة؟

codesignmag.com

في السنة الأولى على وجودي في مدينة مونتريال، كنت أتنزه في أحد الأسواق القريبة من منزلي فوجدتُ سعودية تتسوق مع طفلها الصغير. وحيث أنني كنتُ مستميتة في التعرف على أشخاص من بلدي، أسرعت إليها وعرفت نفسي. كانت الفتاة لطيفة للغاية، إذ دعتني للانضمام إليها قائلة أنها تتنظر صديقتها بعد قليل.

لمعت عيناي.. ”أوه سعودية أخرى؟“ 

جاءت صديقتها -اللطيفة كذلك! – وتعرفت عليها وتبادلنا الأرقام قبل استئذاني بالإنصراف. بعد مرور أشهر ستصبح صديقتها هذه صديقة عزيزة لي. 

بعد مرور السنوات، عندما تخطر هذه الذكرى أجدني ابتسم. كنتُ أحب أن أقابل أشخاصًا جدد. هذا يعني حكايات جديدة سُتروى، وهوايات متنوعة ستُعرض علي، وأفكار متعددة، ووجهات نظر مختلفة. بمعنى آخر قد يُقترح عليك مشاهدة فيلم جديد، قراءة رواية مؤثرة، شراء منتج مفيد، أو ستسمع حديثًا بمنظور مختلف عن قضية ما.. ستتوسع دائرتك، بل وأفقك بمقابلة أشخاص لأول مرة. 

حرصت في الغربة على التنوع الثقافي لصديقاتي، فتعرفت على صديقات من بلدان شتى وكذلك من مناطق مختلفة في المملكة. تعرفت على صديقات رأيتهم في المصعد لأول مرة، وفتاة بالمقعد الملاصق لمقعدي في رحلة دولية طويلة، وأخرى كانت تعرض شقتها للإيجار-عندما كنا نبحث عن شقة- لانتهاء العقد، وصديقة عزيزة قابلتها بعد رسالة عبر تويتر.

أما الآن فإنني بالكاد أقابل صديقاتي.

تحدثت مؤخرًا مع فتاة بجانبي في المقهى وعندما استأذنتها بالانصراف، لم نتبادل الأرقام. شعرت بالراحة. مع الأمومة، أحاول ترتيب أولوياتي وأضع جهدي ووقتي للأمور التي بيديّ حتى لاتخرج عن السيطرة. بالكاد أجد وقتًا لنفسي، وعندما أفعل، فإنني أتواصل مع صديقاتي. لن تستطيع أن تكون على طبيعتك بعض الشيء عندما يخبرك شخص تقابله لأول مرة برأيه الذي يُخالف رأيك، ستكون مهذبًا وصبورًا، ولذلك اللقاءات الأولى قد تكون مُنهكة، فيها الكثير من الطاقة وكذلك بعض المجاملة. لكنني في بعض الأوقات أحن إلى حماس اللقاء الأول، والقصص الجديدة.

شاي الظهيرة


في إحدى سنوات الطفولة، زارنا بعض الأقارب ومعهم ابنتهم الصغيرة والتي كانت في مثل عمري. كنتُ سعيدة للغاية بهذه الزيارة إلى الحد الذي قررت فيه أن أدعوها إلى تناول كوب شاي حقيقي. أخرجتُ كوبًا من طقم الشاي من الألعاب، ثم توجهتُ إلى المطبخ ووضعتُ كيسًا من الشاي وبعض السكر فيه. ماذا عن الماء المغلي؟ لدينا برادة ماء تقدم الماء الساخن! 

وهكذا صنعتُ أول كوب شاي في حياتي. 

ستمر سنوات طويلة قبل أن تُذكرني قريبتي بكوب الشاي هذا في بوسطن، المدينة الأمريكية التي نهضت فيها حركة حزب الشاي ضد سياسات الاستعمار الإنجليزي.

كنتُ أجد شرب الشاي فرصة لذيذة لتبادل الأحاديث مع صديقاتي – إن اخترنا الجلوس– أو عندما أقابل صديقات جدد. تعرفت على صديقة عزيزة في أحد المحلات التي تقدم الشاي في مونتريال، والتي دارت فيها الكثير من المواضيع الشيقة أثناء شرب شاي الظهيرة قبل أن يُغلق تمامًا. وعندما أنجبتُ ابنتي، فإن أول خروج لي بدونها كان لشرب شاي الظهيرة مع أمي. ومع الموجة الحالية للمقاهي المتنوعة، لم يعد يدعوك أحد إلى شرب كوب من الشاي خارج المنزل. 

الإنجليز يحبون الشواهي كثيرا، لدرجة أن ذلك انعكس على كلامهم. عندما سألت موظفة إنجليزية عن رأيها في بوريس جونسون (رئيس الوزراء الحالي)، قالت “هيز نت ماي كوب اوف تي” He’s not my cup of tea أو لا أجده مناسبًا بالنسبة لي.

اشتريتُ لابنتي طقمًا للشاي.

وقبل أن يتناثر في كل مكان على الأرض، نتظاهر أحيانًا بشرب شاي الظهيرة سوية. أسكب لها بعضًا منه في الأكواب، لكنها تصر على شرب الشاي مباشرة من فم الإبريق.

وفي هذا العام، جربت نوعًا جديدًا من الشاي أثناء زيارتي للندن، من شركة Fortnum & Mason الإنجليزية. كانت تجربة رائعة، ندمت على أنني لم ابتاع المزيد من الشواهي، لكنني استدركت الأمر، فمن يندم الآن في زمن التسوق الإلكتروني؟

كتابي الأول

Ginnie Hsu


في الكتابة، تنصح الروائية مارقريت آتوود الكاتب المبتدئ بالتخلص من الصفحات الزائدة والمملة أو الكتابات التي لافائدة منها بقولها:
”The wastepaper basket is your friend. It was invented for you by God”
”سلة المهملات صديقتك. لقد خلقها الرب من أجلك“

في العاشرة من عمري، زارنا خالي الأكبر المدينة قادمًا من جدة. بعد مدة ليست بطويلة من دخوله المنزل، قدّمت إليه ال”اوتوقراف” الخاص بي من أجل أن يدوّن عليه شيئًا من مشاعره الإيجابية نحوي. كنت أطمح إلى تجميع أكبر عدد من الأشخاص ليكتبوا لي حتى لا يُبقوا لي صفحة فاستطيع بذلك التفاخر أمام صديقاتي عن العدد الكبير من الناس الذين أعرفهم، تمامًا مثل عدد الأصدقاء في فيسبوك.

”هذا كتابك الذي كتبتيه؟“ قال خالي ممازحًا، أو افترضت أنه كان كذلك.

”لا! هذا اوتوقراف.. تعرف اش يعني اوتوقراف؟“ وشرحت له ماذا يعني، وماذا يجب عليه أن يفعل.

سطّر بضعة كلمات في دفتري الصغير، ثم قال ”لو كتبتِ كتابًا فإنني سأنشره لكِ“

لمعت عيناي. كانت الفكرة تبدو جديدة وجذابة .. أنا أكتب كتابًا؟ 

جلستُ على طاولتي الحمراء أعصف ذهني، وأفكر ما الذي يمكنني كتابته؟ كل كاتب هو خبير في موضوع كتابه. في أي مجال تقع خبرتي؟ 

فكرتُ قليلًا، واستنتجتُ أنني خبيرة في طرح ”الفوازير“ على صديقاتي. فليكن كتابًا ممتعًا عن الألغاز.

بدأت بكتابة الألغاز التي أعرفها وحفظتها من مجلات ميكي، لكنها نفدت بسرعة. احتجت إلى فوازير كثيرة. التجأت إلى كتب سين جيم لشريف العلمي من مكتبة والدي، لكنها كانت ألغازًا علمية صعبة. ففكرت في النكت، نعم .. ستكون إضافة مميزة!
هكذا اكتملت فكرة الكتاب، صفحة للفزورة والحل بالخلف، وبعد كل فزورة استراحة للقارئ -المُرهق الذي فكّر بالحل- مع نكتة. قصصتُ الأوراق من الدفاتر وشرعتُ في كتابة كتابي الذي انتهى ب١٠٠ صفحة تقريبًا. كانت كل صفحة مذيّلة برقم. كنت أكتب كتابي وأنا أتخيل أنه سيساعد الكثير من الناس في تقضية أوقات فراغهم بالفوازير. بكم سيكون سعره؟ لمعت عيناي بشكل أكبر. لكن المال لايهمني فهذا كتابي الأول، ومشواري مازال طويلا. انتهيت من الكتابة، وزيّنت الكتاب بالألوان التي ستُبهج خالي والناشر. للأسف، لم يعد هناك أي دبابيس في الدبّاسة من أجل تثبيت الأوراق، فعمدتُ إلى ثنيها من الطرف الأعلى.

أخذت الكتاب معي في إجازة الصيف إلى جدة وحرصتُ على بقاء الأوراق مرتبة برقم الصفحات في شنطتي. ومن أجل منع المتطفلين من سرقة الأفكار أو إبداء آرائهم السخيفة، وضعته فوق الدولاب. جاء خالي أخيرًا وجريت إلى الدولاب وسلّمته كتابي. ما الذي حصل؟
تصفّح خالي الكتاب وأبدى إعجابه، لم يقل شيئًا بخصوص النشر.

مرت أيام عديدة وكتابي مازال فوق الدولاب. نسيته تمامًا. جاء اليوم الذي قررت فيه أمي تنظيف الغرفة بشكل عميق. ارتفع صوت أمي بغضب ”ماهذه الأوراق المتناثرة فوق الدولاب؟“

يبدو أن هواء التكييف قد نثر الأوراق.

وجدت أمي اسمي كمؤلفة على الأوراق. يبدو أنني لم أرغب في أن يسرق شخص ما فوازيري.

سألتني أمي بسرعة ” يبدو أنها تعود إليكِ .. هل مازلتِ تحتاجينها؟“

أجبت ” لا خلاص.. ارميهم“

ونادت ”يا رسول -اسم العاملة-.. جيبي الزبالة“

وهكذا انتهى كتابي الأول إلى الزبالة. 

لعنة المعرفة


قبل سنوات، كنتُ أتمشى مع زميلتي التي تعرفت عليها مؤخرًا، مررنا بمقهى عربي يصدح منه صوت كاظم الساهر وهو يغني ”زيديني عشقًا“، فما كان لي إلا أن أغني معه وألتفت إليها قائلة ”هذه الأغنية جميلة للغاية“.
أخبرتني أنها لا تعرفها

فقلت ”لكاظم الساهر؟“ 

ردت ”لا أعرفه“

لا أعرفه!

تسبب ردها لي بصدمة أضحك منها اليوم. فكيف لها أن لا تعرف كاظم الساهر؟ فبالنسبة لي -وقتها-، أن تقول أنك لاتعرف كاظم الساهر كقولك اليوم أنك لا تعرف محمد عبده (بغض النظر عن كونك تسمع أغانيه، أو تسمع الأغاني بشكل مطلق أم لا). هذا يعني أنك تعيش في عالم آخر منعزل عمن حولك. لكن مع مرور الأيام، أدركت أن الكثير من الأمور المُسلمة التي أعرفها قد لا يعرفها غيري، ليس لي الأفضلية بمعرفتها، ولكن الظروف التي مررت بها جعلتني أتعرف عليها بشكل أو بآخر. وكذلك بالطبع بالنسبة لغيري، يدركون أمورًا لا أعرفها ويظنون أنني أعرفها بطبيعة الحال.

هناك تعبير يُسمى ب Curse of knowledge أو لعنة المعرفة 

وهو ”إنحياز معرفي يجعلك تفترض بأن الآخرين يفهمون ما تقوله“ وهذا نجده شائعًا عند دكاترة الجامعات وخاصة أساتذة اللغة، عندما يفترضون أن الطلاب يفهمون مايقولونه، وهنا يفشل المُحاضر في إيصال المعلومة.

كان هذا ماحدث في المحاضرة الأولى لإحدى الكورسات التي حضرتها، كان الدكتور يشرح كلامه ليس فقط مستخدمًا مصطلحات معقدة بل وبأسلوب وكأنه يقرأ من ورقة أكاديمية. كان الجميع يهز رأسه موافقًا لما يقوله، وهذا ما ردّني إلى البيت خائبة ومذعورة! فكان ينبغي على طالبة الماجستير أن تدرك كل هذه المصطلحات وتفهم كل البحوث الجديدة التي جرت بشأن الموضوع الذي يتكلم عنه. 

درست جيدًا لأستوعب ما سيقوله في المحاضرات القادمة، وكنت أتجهز للدروس من قبل أن تُلقى. اكتشفت لاحقًا أن الجميع كانوا مثلي. كانوا يهزون رؤوسهم متظاهرين بالفهم، ولكنهم لم يكونوا كذلك. وغدت المشكلة من الدكتور المتحذلق بمصطلحاته. بالطبع لم يكن متحذلقًا، ولكنها لعنة المعرفة. 

كيف أصبحتُ الآن؟
بعيدًا عن أجوبة قوقل، عندما يكون لديّ سؤالًا أحتاج إجابته من مختص، فإنني أطرح العديد من الأسئلة الصغيرة. مررتُ بهذه التجربة عندما كنت أزور طبيبتي خلال الحمل، أطرح العديد من الأسئلة حول موضوع معين. كنتُ أستغرب أحيانًا من ظنها بأنني أدرك ماتقوله -لعنة المعرفة مرة أخرى- فأعود إلى طرح الأسئلة مجددًا حتى أفهم النقطة التي أخبرتني بها. وكذلك الموضوع نفسه مع الأمهات، يعتقدن بأن الأمهات الجدد يعرفن بالضرورة ما مررن به مسبقًا. أذكر خلال حملي بأن مجموعة من الأمهات ضحكن عليّ عندما سألتهن هل يلبس الطفل البيجاما على جلده أو لابد من شراء شيء مثل البلوزة الداخلية؟ افترضن بأنني أعرف هذا الأمر رغم تفاهته.

أما بالنسبة إليّ، فأصبحت أتقبل هذه الاختلافات المعرفية وإن كانت تافهة مثل أغنية زيديني عشقًا.

هنا فيديو جميل لستيفن بنكر يشرح عن لعنة المعرفة