كم بيضًا للحمام؟

قوديتاما.. البيضة الكسولة الأشهر

لاأدري كيف بدأتُ الكتابة في هذا الموضوع، لكنها مجرد خواطر من الماضي تذكرتها حين كنت أسلق البيض فأردت تدوينها لتكون تدوينة عبثية:

بدأت علاقتي مع البيض منذ أن كانت أمي تجبرنا على تناوله كطعام للإفطار قبل أن نذهب للمدرسة. وحيث أنها قرأت في مكان ما أن تناول البيض يوميًا غير صحي فقد قررت أن نتناوله يومًا بعد يوم، ”يوم بيض ويوم كورن فليكس“. بجانب البيض كان هناك كأسٌ من الحليب فُرض علينا وإن استيقظنا متأخرين. أذكر أن المراقبة سألتني حين وصلت المدرسة متأخرة بعد الطابور عن سبب تأخيري، فما كان جوابي إلا أن أخبرتها ”كنت أشرب الحليب“. العجيب أن المراقبة دوّنت هذا السبب وسمحت لي بالذهاب إلى الفصل.

في إحدى الأيام كنت أتساءل عن السبب الذي يجعلنا تناول البيض دون أن يكون هناك فرخ صغير بداخل البيضة. استنتجت نجلاء الصغيرة أن البيض يُؤخذ من الدجاجة الأم فورًا ولا تستطيع أن توفّر له حضنًا دافئًا فيعجز عن النمو ويصبح بيضًا. لذلك، أخذتُ بيضة من المطبخ خلسة وقررت أن أكون الدجاجة الأم ووضعتها على الأرض وجلست عليها برفق. وكفتاة نشيطة تحب اللعب، مرت الساعة والساعتين ومللت من جلوسي هكذا ولكني استمريت في الصمود إلى أن جاءت الخادمة أخيرًا حاملة المكنسة وتأمرني أن أتحرك من مكاني حتى تُكمل التنظيف، تركت لها المكان والبيض ولم أنس وجهها إلى يومي هذا.

تمر الأيام حتى نقرر أنا وأخي الصغير أن نشتري ”كتاكيت“ ونرعاها فتكبر معنا وتجلب لنا البيض. اشترى أخي بواسطة خالي كتكوتين خلسة دون علم أمي التي كانت تحظر علينا إدخالهم من باب الرفق بالحيوان. بالطبع تفاجئت أمي فيما بعد ورضخت لوجودهما، فرحنا كثيرًا وأطلقنا على المشاكس منهما اسم طقوعي وتركناهما في ”حوش“ البيت يسرحان ويلعبان. تمر الأيام ويصبحان مفجوعيْن شرهيْن يأكلان الأخضر واليابس ويستوليان على زرع أمي التي تعبت في العناية به ويتبرزان في كل مكان. غضبت أمي بالطبع فأرسلتهما إلى المزرعة. للأسف لم نهنأ بالبيض.

بعد سنوات قليلة، قرأت في مجلة المجلة عن اختراع ياباني اسمه ”تاماجوتشي“ غزا اليابان وبيوت الأطفال والمراهقين

وهي بيضة الكترونية تتوسطها شاشة عليها مخلوق يجب أن تعتني به فتغذيه ليكبر ولا يموت. ومن شدة إعجابي بهذا الإختراع العجيب حفظت اسم التا -ما- جوتشي هذا وودت لو أنني ذهبت إلى اليابان كي اشتريه. بعد أسابيع قليلة جاءت صديقتي بلعبة الكترونية اشترتها من جدة من (تويز ار اص) وأرادت أن تشرح لي كيفية اللعب بها، صرخت ”تاماجوتشي!“ كفيتها الشرح إلا أن تاماجوتشي هذه كانت طفلة صغيرة على الشاشة وليست مخلوقًا. اقترحت علي عرضًا كريمًا لم أستطع أن أرفضه ”ما رأيك أن تأخذيها معكِ المنزل إلى الغد؟“. أخذتها معي وعندما أردت النوم وضعتها بجانبي لأستيقظ وأجد أنها ماتت. كيف ماتت؟ لا أدري.. لابد أنني أطلت النوم فجاعت ولم أطعمها. خفت كثيرًا من ردة فعل صديقتي الكريمة، لكني تصرفت بسرعة وضغطت على زر الإعادة الصغير الموجود خلف الآلة بداخل حفرة صغيرة بواسطة القلم فعادت الطفلة إلى الحياة وكأن شيئًا لم يكن. بالطبع لم أخبر صديقتي بهذا الأمر.

أما الآن فتحضرني قصة لبطوط الذي أصبح في إحدى حكايات مجلة ميكي ذوّاقة طعام يكتب عن المطاعم وأطباقها ويقيّمها في زاوية لجريدة مشهورة ويعتمد الناس بشكل كبير على آرائه، فأصبحت المطاعم تهابه وتستعد لمجيئه ويأتيهم متنكرًا في بعض الأحيان. ففي إحدى المرات زار بطوط مطعمًا راقيًا وقدموا إليه طبقًا فاخرًا تحتوي مكوناته على البيض، أكل من هذا الطبق وفجأة صرخ لأن هناك قشرة صغيرة من البيض يبدو أنها وقعت بالخطأ عند كسر الطبّاخ للبيض. ورغم محاولة أصحاب المطعم وتوسلاتهم إلى بطوط أنها قشرة صغيرة يجب أن لاتؤثر على رأيه، رفع منقاره قائلًا أن هذا الأمر من أساسيات الطبخ!

أصبحت الآن أتذكر هذه القصة جيدا كلما هممت بطبخ ”الشكشوكة“ أو أي طبق آخر يحتوي على البيض، أخاف من وقوع قشرة صغيرة من البيض فأذكر صراخ بطوط ”من أساسيات الطبخ“!

تفاجئت كثيرًا وضحكت عندما ذهبت مؤخرًا إلى إحدى المطاعم المشهورة في مونتريال لتناول ”الأومليت“ ووجدت قشرة بيض.
أليس هذا من أساسيات الطبخ؟

Advertisements

قبل أن ترافق الآخرين، تعلم كيف تكون برفقة نفسك أولًا

Victoria Semykina

Victoria Semykina

مقال مترجم*
في عام ١٨٤٠، وصف إدغار آلان بو رجلًا عجوزًا يطوف شوارع لندن من الغسق إلى الفجر ب”الطاقة الغاضبة”. كان الرجل يريد التخفيف من بؤسه الموجع بشكل مؤقت عن طريق انغماسه بين حشود سكان المدينة. ”كان يرفض أن يكون وحيدًا، إنه نموذج فريد لجريمة عميقة.. إنه رجل الحشد“.

Man of the Crowd / Poe

مقارنة بالعديد من الشعراء والفلاسفة عبر التاريخ، شدد بو على أهمية العزلة واعتقد أن فقدان الشخص القدرة على أن يكون مع نفسه هي ”مصيبة كبرى“، أن يقع في شرك الحشد، أن يتنازل عن تفرده ويخدر عقله بمطابقته مع غيره.

بعد عقدين من الزمان، حازت فكرة العزلة على خيال رالف والدو امرسون لكن بطريقة مختلفة: فكتب مقتبسًا فيثاغورس ”في الصباح، وبوجود العزلة.. تتحدث الطبيعة إلى الخيال على نحو لا تفعله في وجود الناس“. شجّع امرسون المعلمين أن يأكدوت لطلابهم أهمية ”أوقات وعادات العزلة“، العادات التي جعلت من ”التفكير الجاد والمجرد“ ممكنًا.

في القرن العشرين، شكّلت فكرة العزلة محور أفكار حنة آرنت، وهي مهاجرة ألمانية يهودية هربت من النازية ووجدت اللجوء في الولايات المتحدة-. قضت آرنت معظم حياتها في دراسة العلاقة بين الفرد والمدينة. بالنسبة إليها، فإن الحرية مقيّدة إلى الحيز الخاص
-vita contemplativa –
والحيز العام
-vita activa-
فهمت آرنت أن الحرية تتطلب أكثر من قدرة الإنسان على أن يتصرف بعفوية وبإبداع أمام العامة، لأنها تتطلب أيضًا القدرة على التفكير وتكوين الرأي في خصوصية، فتدعم العزلة الفرد على تأمل أفعاله وتطوير وعيه، ليهرب من ضجيج الحشد، حتى يصبح قادرًا على سماع أفكاره.

في عام ١٩٦١، كلّفت مجلة ذا نيويوركر آرنت بتغطية محاكمة أدولف ايخمان، زعيم نازي ساعد على تنفيذ الهولوكوست.

أرادت آرنت أن تفهم كيف يستطيع أي شخص أن يفعل شيئًا شنيعًا مثل هذا؟ الأكيد أن الشخص المعتل والشرير هو الذي يشارك في المحرقة. لكن آرنت تفاجئت من فقر ايخمان إلى الخيال، وبممارساته التقليدية المتكررة. علّقت آرنت بأن أفعال ايخمان كانت شيطانية، لكن ايخمان نفسه – الإنسان- ”كان شخصًا عاديًا، ليس بإنسان وحشي أو شيطاني. لا توجد هناك أي علامة تدل على أن لديه أي قناعة ايدولوجية راسخة“. أوعزت أفعاله -قدرته ولهفته على ارتكاب الجرائم- إلى ”انعدام التفكير“. فكان انعدام قدرته على التوقف والتفكير هو ماسمح لايخمان على المشاركة في هذه الجريمة.

وكما ظن بو أن هناك شيئًا شيطانيًا عميقًا في ”رجل الحشد“، أدركت آرنت أن ”الإنسان الذي لا يعرف أن التفاعل الصامت (والذي يجعلنا في داخلنا نختبر ما الذي نريد أن نقوله أو نفعله) لن يبالي ما إذا ناقض نفسه، وهذا يعني أنه لن يصبح قادرًا أو راغبًا أن يتحمل مسؤولية أفعاله وأقواله، ولن يبالي بارتكاب الجريمة لأنه سوف يعتمد على نسيانها في اللحظة القادمة“. تجنب ايخمان التأمل الذاتي على الطريقة السقراطية، وفشل في الرجوع إلى ذاته، وإلى حالة العزلة. لقد نبذ ايخمان الحيز الخاص
vita contemplativa
ولهذا فشل في طرح الأسئلة الهامة على نفسه والإجابة عليها والتي كانت ستسمح له باختبار معاني الأشياء حتى يميز بين الحقيقة والخيال، والحق والباطل، والخير والشر.

كتبت حنة آرنت ”من الأفضل أن تعاني بشكل خاطئ على أن تفعل شيئًا خاطئًا، لأنك تظل صديق الضحية، لكن من يريد أن يكون الصديق ويعيش مع القاتل؟ ليس إلا قاتلًا آخر“. هذا لا يعني أن الأشخاص الغير مفكرين هم وحوش، أو أنهم سيرتكبون جرائمًا على أن يجدوا أنفسهم في عزلة. مارأته آرنت في ايخمان هو أن المجتمع يستطيع أن يتصرف بحرية وديمقراطية فقط إذا كان مؤلفا من أفراد يمارسون عملية التفكير، وهي عملية تتطلب العزلة. آمنت آرنت أن ”التعايش مع الآخرين يبدأ مع تعايش الشخص مع نفسه“.

لكن ماذا يحدث إذا أصبحنا وحيدين في عزلتنا؟ أليس هذا أمرًا خطيرًا يحرمنا من متعة الصحبة والأصدقاء؟ تنبه الفلاسفة إلى الفرق الدقيق والمهم بين العزلة والوحدة، ففي كتاب الجمهورية، قص أفلاطون حكاية الكهف الرمزية والتي يحتفي فيها سقراط بالفيلسوف المعتزل: يهرب الفيلسوف من ظلام عرين تحت الأرض ومن صحبة الناس ويلجأ إلى نور التفكير التأملي. منعزلًا وليس وحيدًا، يتناغم الفيلسوف مع ذاته ومع العالم. في العزلة، يكون الحوار الصامت ”الذي تسيطر فيه الروح على نفسها“ ليُصبح مسموعًا.

مقلدة أفلاطون، لاحظت آرنت أن ”التفكير – بالتعريف الوجودي- هو أمر منعزل ولكنه ليس منفصلًا عن الناس. العزلة هي عمل بشري يحدث عندما أكون برفقة نفسي، أما الوحدة فهي عندما أكون لوحدي وأرغب في الرفقة ولكن لا أجدها“. في العزلة، لم تتلهف آرنت على إيجاد صحبة أو تبحث عن صداقة حميمة لأنها لم تكن حقًا وحيدة. كانت صديقة لذاتها تتحدث معها بصوت غير مسموع، وهو الصوت نفسه الذي حثّ على طرح السؤال السقراطي ”ماذا تقصد عندما تقول..؟“
فالنفس، كما تقول آرنت، ”هي الكائن الوحيد الذي لا تستطيع أن تهرب منه إلا إذا توقفت عن التفكير“.

تحذير آرنت يجب أن نتذكره في عصرنا هذا. ففي عالم متصل نستطيع أن نتواصل فيه بسهولة مع بعضنا البعض من خلال الإنترنت، نادرًا مانتذكر أن نجعل لنا مجالًا لعزلة تأملية. نتصفح بريدنا الإلكتروني مئات المرات في اليوم، ونرسل الآلاف من الرسائل كل شهر، ونتصفح تويتر وفيسبوك وانستقرام من أجل أن نتواصل مع المقربين والمعارف. نبحث عن أصدقاء أصدقائنا، أحبابنا السابقين، أشخاصًا بالكاد أن نعرفهم، وآخرين لانعرفهم. نتلهف دومًا لأن نكون برفقة الناس.

لكن آرنت تذكّرنا بأنه إذا خسرنا قدرتنا على العزلة، أن نكون وحيدين بصحبة أنفسنا، فسوف نخسر قدرتنا على التفكير. سنخاطر ”بانغماسنا في الحشد“، وسوف يجرفنا الناس بعيدًا بأفكارهم ومعتقداتهم حتى نصبح غير قادرين على تمييز الحق من الباطل، والجمال من القبح.

العزلة ليست فقط حالة ذهنية أساسية من أجل تطوير وعي الفرد وضميره، بل أيضًا عمل يهييء المرء لأن يشارك في الحياة الإجتماعية والسياسية. قبل أن نحافظ على رفقتنا مع الآخرين، يجب أن نتعلم كيف نحرص على رفقتنا مع ذواتنا.


مقال مترجم: كتبته جنيفر ستيت قمتُ بترجمته إلى العربية*
Before you can be with others, first learn to be alone

حيّات المعرّي


عندما كان أبو القارح في ”رسالة الغفران“ يتنقل في الجنة ويقابل شعراء الجن والإنس يحاورهم ويناقشهم في الشعر واللغة، وجد حيّات يسرحن ويمرحن، فتعجّب لذلك أشد العجب وقال ”لا إله الله.. وماتصنع حيّة في الجنة؟“ فأجابته حية تُدعى بذات الصفا بفخر عن وفائها في الدنيا، وكيف أن النابغة الذبياني أنشد فيها شعرًا جرى ذكره بعد ذلك على ألسنة العرب. فماذا كانت حكايتها؟

يُحكى أن أخوين كانا فيما مضى في إبلٍ لهما، فأجدبت بلادهما وكان قريباً منهما وادٍ، يقال له: عبيدان فيه حية قد أحمته فقال أحدهما لصاحبه: هل لك في وادي الحية، فإنه ذو كلأ؟ فقال أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحداً لم يهبط ذلك الوادي إلا أهلكته؟ فقال: والله لأفعلنّ!
فهبط ذلك الوادي فرعى فيه إبله، فبينما هو ذات يومٍ في آخر الإبل نائمٌ إذ رفعت الحية رأسها فأبصرته، فأتته فقتلته، ثم دخلت جحرها، وأبطأت الإبل على أخيه فعرف أنه قد هلك، فقال: ما في الحياة بعد أخي خيرٌ، ولأطلبن الحية، ولأقتلنها، أو لأتبعن أخي.
فهبط ذلك الوادي فطلب الحية، ليقتلها، فقالت له: ألست ترى أني قد قتلت أخاك، فهل لك في الصلح، فأدعك ترعى الوادي فتكون فيه، وأعطيك ما بقيت ديناراً يوماً ويوماً لا؟ قال: أو فاعلة أنت؟ قالت: نعم. قال: فإني أقبَل. فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضرها، وجعلت تعطيه ما ضمنت له، فكثر ماله ونبتت إبله، حتى صار من أحسن الناس حالاً.
ثم إنه ذكر أخاه ذات يوم فدمعت عيناه، وقال: كيف ينفعني العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخي؟ فعمد إلى فأس فأحدها، ثم قعد، فمرت به، فتبعها، وضربها فأخطأها، ودخلت جحرها، ووقعت الفأس فوق جحرها فأثرت فيه، فلما رأت ما فعل، قطعت عنه الدينار الذي كانت تعطيه.
فلما رأى ذلك تخوف شرها وندم، فقال لها: هل لك أن نتواثق ونعود إلى ما كنا عليه؟ فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك، وأنت ترى قبر أخيك، وأنت فاجر لا تبالي بالعهد؟.
وفي رواية أنها قالت “أبى الصلح القبر الذي بين عينيك، والضربة التي فوق رأسي. فلن تحبني أبداً ما رأيت قبر أخيك، ولن أحبك ما كانت الضربة برأسي. إنا لن نحبكم ما ذكرنا ما صنعتم بنا، ولن تحبونا ما ذكرتم ما صنعنا بكم“. .
*خزانة الأدب- البغدادي*

ماتت حية ذات الصفا ودخلت جنة أبي العلاء المعري. الجدير بالذكر أن الحية كانت قاتلة في بادئ الأمر فكيف جعلها المعرّي في الجنة؟ يظهر أن هذا الوادي يُنسب إلى هذه الحية فهو مسكن لها، والمقتول اقتحم الوادي وانتهك حرمته وبالتالي ماكان الإعتداء من الحيّة إلا دفاعًا منها. ولكنها وفّت لأخيه عندما اتفقت معه وظلت كذلك على العهد حتى ضربها على رأسها بالفأس.

وإذا تذكرنا المثل العربي الشهير ” لايُلدغ المؤمن من جحره مرتين“، نجد أن الحية المؤمنة هذه تأبى أن تُلدغ مرة أخرى فرفضت الصلح وأشارت إلى الضربة التي فوق رأسها ”إنا لن نحبكم ماذكرنا ماصنعتم بنا، ولن تُحبونا ما ذكرتم ماصنعنا بكم“.

انتشرت الأسطورة بين العرب الذين -مع ذلك- جعلوا من الحية رمزًا للخيانة والغدر. ففي الموروث القديم، يشير كيليطو أن الحية أغوت آدم وحواء بالأكل من شجرة المعرفة ”لكن المفسرين لم يتوانوا في إسناد دور إلى الحية. ولمّا حُظر على إبليس دخول الجنة، قصد الحية فأغواها بأن وعدها بالخلود. تحوّل إلى ريح وجعل نفسه بين أنياب الحية (لم تكن آنئذٍ حية: كانت لها أربع قوائم من أحسن دابة خلقها الله) يستقرّ إبليس إذن في فم الحية التي تدخل به سرًا إلى الجنة. وبواسطة لسان الحية يفتن الرجل والمرأة… عقابها سيكون شديدًا، ففي سفر التكوين يلعنها الرب وينطق في حقها عقوبة مزدوجة (على بطنك تزحفين، وترابًا تأكلين طول أيام حياتك).. ويُعدّد عقوبات أخرى، فقد شق الله لسان الحية جاعلًا منها حيوانًا مشطورًا.. حيوانًا ذا لسانين“.

يذكر كيليطو أن الجاحظ استنتج في كتابه الحيوان أن الحية ”لما يهاجمها الإنسان، تُخرج لسانها المشقوق كما لو كانت تُذكّره بتواطؤ قديم وبالعقوبة التي أصابتها بعد تورطّها في المأساة الأصلية“.

إذن فالحية رمز للخيانة، وقد جعل محمد بن سيرين (أو في كتابه المنحول إليه) من الحية عدوًا، فالذي يرى حية في منامه إنما يرى عدوًا، فإن قتلها في المنام ظفر بعدوه في الحقيقة.
نعود إلى أبي القارح، لنجده يتحدث مع حيّة أخرى تخبره أنها كانت تسكن في دار الحسن البصري- التابعي إمام أهل البصرة- وأنها قد حفظت القرآن من تلاوته، بل أنها سافرت من البصرة إلى الكوفة لتُقيم في جوارِ أحد القرّاء السبعة. لكنها أنكرت عليه بعض القراءات وجاءت بأقوالٍ للنحويين منهم سيبويه حتى تعجب منها أبو القارح أشد العجب، حيّة أديبة!

الأعجب من ذلك أن هذه الحيّة بدأت تغوي صاحبنا وتقارن نفسها بغواني الجنة فتسأله ”ألا تقيم عندنا بُرهة من الدهر؟
فلو ذُقت ريقي لوجدته أفضل من الخمر التي ذكرها ابن مقبل في قوله:
سقتني بصهباء درياقة .. متى ما تُليّن عظامي تلنِ
(الدرياقة هي الخمر)
ولو تنفسّتُ في وجهك لأدركت أن عبلة صاحبة عنترة كانت ذات رائحة فم كريهة (تقصد قول عنترة:
وكأن فارة تاجر بقسيمة .. سبقت عوارضها إليك من الفمِ

(فارة=وعاء العطر)
ولو أدنيتَ وسادتك إلى وسادتي، لفضّلتني على ليلى (تقصد ليلى صاحبة المجنون).. ولو أقمتَ عندنا إلى أن تخبر وُدّنا لندمتَ إن كنت في الدنيا قتلت حيّة!

بالطبع يُذعر صاحبنا، ويهرب منها.

فالحيّة هنا تُقارن نفسها بعبلةٍ وليلى، وكأنها امرأة مثلهم. وهذا يذكّرنا بهؤلاء الذين ربطوا بين لفظتي الحية وحواء وكأن بينهما علاقة في إخراج آدم من الجنة، وبالشعراء الذين ربطوا بين الحية والمرأة في تشبيهات كثيرة، بل وبالمستظرفين الذين وصفوا المرأة بالحية لمكرها وخبثها فيروى عن أحدهم أنه قال ابني حيّ يُرزق، وزوجتي حيّة تسعى.

تنبغي الإشارة إلى أنه لايوجد من الحيوانات في جنة المعرّي غير هذه الحيّات، وأسد، وأيضًا ذئب كان قد كلّم الأسلمي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. هناك أيضًا طاووس وإوزة، لكنهما طعامان لأهل الجنة. ليس هناك خيل، أو ناقة وهما من الحيوانات التي كانت تفتخر بهما العرب، بل أسد وذئب وحيّات يسرحن ويمرحن كما الإنس والجن المتمتعون في جنات النعيم.

وهم الثقة

في إحدى الأيام من عام ١٩٩٥، وفي وضح النهار، سرق رجل ضخم في منتصف عمره بنكين في مدينة بتسبرغ. لم يلبس أي قناع ولم يتخف، بل ابتسم لكاميرات المراقبة قبل أن يخرج من كلا البنكين. ألقت الشرطة القبض على المُتفاجِئ ماك آرثر وييلر لاحقًا وعرضت عليه الفيديوهات التي سُجلت على كاميرات المراقبة. لم يكن يصدّق ذلك وقال ”ولكنني دهنتُ نفسي من العصير!“. يبدو أن وييلر اعتقد بأن فرك عصير الليمون على جسده يجعله شخصًا غير مرئيًا أمام كاميرات المراقبة. بعد هذا كله، فإن عصير الليمون كان يُستخدم كحبر سري، فطالما أن وييلر لا يقترب من مصدر حراري كان يجب أن يكون متخفيًا تمامًا!

استنتجت الشرطة بعدها أن وييلر لم يكن مجنونًا ولم يكن تحت تأثير المخدرات، لكنه كان مخطئًا بدرجة كبيرة.

اجتذبت هذه الحكاية اختصاصي علم النفس ديفيد دانينق في جامعة كورنيل، والذي كلّف تلميذه جستن كروقر بالتحقق عما يجري. استنتجا أن كل شخص لديه تصورًا إيجابيًا عن قدراته في مجالات اجتماعية وثقافية متعددة، وأن بعض الناس يخطئون في تقييم هذه القدرات بشكل كبير، أكبر بكثير من الحقيقة. ف“وهم الثقة“- والذي يُدعى الآن ب“تأثير دانينق كروجر“- يصف كيف يقوم الإنحياز المعرفي بالرفع من التقييم الذاتي.

من أجل التحقق من هذه الظاهرة، صمم دننق و كروجر بعضًا من التجارب الذكية. وفي إحدى الدراسات، سألا طلبة جامعيين مجموعة من الأسئلة عن القواعد، والمنطق والنكت، ثم سألا كل طالب وطالبة أن يُخمّنوا نتيجتهم ثم يصنفوها بالنسبة إلى نتائج الطلاب الآخرين. الطلاب الذين أحرزوا نقاطًا ضعيفة في هذه الأسئلة هم هؤلاء الذين بالغوا -وبشدة- في تخمينهم بالحصول على نتائج ممتازة! الطلاب الذين حصلوا على أدنى الدرجات هم هؤلاء الذين اعتقدوا بأنهم أدّوا الاختبار بشكل أفضل من ثلثي الطلاب الآخرين!

وهم الثقة هذا يمتد إلى خارج الفصول الدراسية فنجده في حياتنا اليومية. في دراسة لاحقة خارج المعامل التجريبية، اتجه دانينج و كروجر نحو نطاق الأسلحة، وسألا هواة الأسلحة عن مدى الأمان في استخدام السلاح. وبالتشابه مع النتائج السابقة، فإن هؤلاء الذين أجابوا على أسئلة قليلة فقط هم الذين بالغوا في تقدير معرفتهم بالأسلحة. وبعيدا عن الحقائق، تستطيع أن تلاحظ تأثير دانينق-كروجر في تقييم الناس لمقدراتهم الأخرى بشكل كبير. إن شاهدت أي برنامج تلفزيوني للمواهب هذه الأيام، فسوف ترى وجوه المتسابقين المندهشة لعدم اجتيازهم التقييم ورفضِهم من قبل حكام المسابقة. قد يكون ذلك الأمر مضحكًا بالنسبة إلينا، إلا أن هؤلاء المتسابقين غير واعيين بأن تفوقهم الوهمي هذا قد ضللهم إلى حد كبير.

من الطبيعي أن الناس يبالغون في تقييم قدراتهم الشخصية. في إحدى الدراسات، قيّم ٨٠٪ من السائقين أنفسهم أنهم فوق المتوسط، وهذا أمر مستحيل إحصائيًا. دراسة أخرى وجدت أنه عندما يقيّم الناس شعبيتهم وقدراتهم المعرفية، فإنهم يجعلون أنفسهم فوق المعدل الطبيعي. المشكلة تكمن عندما يكون الناس غير أكفاء، فإنهم لايستنتجون بطريقة خاطئة فقط ويختارون خيارات سيئة، بل إنهم يفتقدون المقدرة على استيعاب أخطائهم.

في دراسة امتدت فصلًا دراسيًا كاملًا على طلاب الكلية، فإن الطلاب المتفوقون يستطيعون التنبؤ بأدائهم في الإختبارات المستقبلية بطريقة أفضل عندما يُقدّم إليهم تقييمًا حول نتائجهم ودرجاتهم. لكن الطلاب ضعيفو المستوى لم يظهروا أي تميّز على الرغم من وجود تقييمات متكررة على أدائهم. فبدلًا من أن يتفكروا في أدائهم وطرقهم الخاطئة، أو يشعروا بالحيرة والإرتباك تجاهها، فإن هؤلاء الناس دائمًا مايصرون بأن طرقهم هي الصحيحة. هذا يذكرنا بما كتبه تشارلز داروين في نشأة الإنسان، عام ١٨٧١: ”إن الجهل يُولد الثقة على نحو أكثر مما تفعل المعرفة“.

من المثير أن نعرف بأن الأذكياء يفشلون أيضًا في تقييم مقدراتهم. فكما أن الطلاب الحاصلين على درجات (دي) و(إف) بالغوا في الرفع من قدراتهم، فإن الطلاب المتفوقين الحاصين على (اي) استخفوا بقدراتهم. وجدا دننق وكروقر أن الطلاب المتفوقين- الحاصلين على أعلى الدرجات المعرفي.- قد بخسوا من كفائتهم النسبية. ظن هؤلاء المتفوقون بما أن هذه المهام المعرفية كانت سهلة بالنسبة إليهم فإنها لابد أن تكون كذلك أو أسهل بالنسبة إلى الآخرين.
وهذا مايُسمى ب“متلازمة المخادع“ وهي عكس تأثير دننق كروقر: حين يفشل المتفوقون في إدراك مهاراتهم فيظنون أن الآخرين لديهم نفس القدر من الكفاءة. يكون الإختلاف هنا أن المتفوقين أو الأكفاء هم أشخاص يستطيعون تغيير هذا التقدير الذاتي عندما يُقدم إليهم تقييمًا مناسبًا لهم، بعكس هؤلاء غير الأكفاء الذين لا يستطيعون ذلك.

العبرة من هذه المقالة أننا لا نريد أن نصبح مثل سارق البنك. في بعض الأحيان نحاول تجربة أمور تقودنا إلى نتائج ممتازة، لكن أحيانًا- مثل فكرة عصير الليمون- تكون طرقنا غير مجدية، غير عقلانية، أو حتى غبية. الحل أن لانسمح لأنفسنا بأن نكون مخدوعين بأوهام التفوق، وأن نتعلم إعادة تقييم كفاءاتنا بطريقة صحيحة. كونفوشيوس قال ذات مرة ”المعرفة الحقيقية هي معرفة مدى جهلنا“.


تدوينة ترجمتها عن مقالة كتبتها Kate Fehlhaber
بعنوان

Studies find high achievers underestimate their talents, while underachievers overestimate theirs

الهروب من غزو الأفكار الوجودية قبل النوم

Tony Huynh – Insomnia

إن همّي قد نفى النوم عنّي .. وحديثُ النفس شيءٌ ولوع

تتجه إلى سريرك بعد أن يسكن الليل وينصرف الناس إلى فرشهم آملًا أن تحظى مثلهم بنوم عميق، لكنك تتقلب في فراشك وتتفكر في أحداث النهار وتباغتك همومك، فتقلبها في رأسك وتتذكر حماقاتك في إتيانك بأقوال أو تركك لأفعال. عندما تكون مرهقًا بعد يوم طويل، ووحيدًا مع نفسك فوق السرير حينها فقط تتكابل عليك الهموم والأحزان، وقد تصرعك فتمزق قلبك وتتسائل
“ما الذي أفعله في حياتي؟”
“هل لوجودي معنى أو فائدة؟”
“لماذا أنا هنا؟ ولماذا صرت هكذا؟”
العجيب أن هذا كله يختفي عندما تستيقظ، فهل كانت حاجتك إلى النوم هي السبب؟ يالضعف الإنسان!

في هذه التدوينة القصيرة سأستعرض باختصار بعض الطرق المفيدة للهروب من الأفكار الوجودية قبل النوم. قد يقول البعض أن هذه الأفكار التي تُعرض علينا قبل النوم مفيدة حتى يُراجع الشخص يومه ويُحاسب نفسه، أما أنا فأقول أنها طريقة عقيمة لأن التفكير قبل النوم لا يؤدي إلا إلى القلق والأرق، كما أن محاسبة النفس لاتصلح عندما يكون المرء في أضعف حالاته. يستطيع الإنسان أن يُقيّم أمسه في أول النهار عندما يكون مستعدًا وواعيًا في كامل قواه.

القراءة قبل النوم:
وهذه من أجدى الطرق نفعًا للحصول على نوم هادئ وعميق. أما تصفّح الشبكات الإجتماعية من جوالك قبل النوم بحجة القراءة فهي وسيلة غير مجدية وقد تسبب الأرق إذ أنك تُركّز على الإنتقال مابين صفحة إلى أخرى والبحث عن أمر معيّن يُجذبك مما يعني القيام بمجهود صغير- وإن كان هذا المجهود صغيرًا للغاية فهو يظل مجهودًا-.
الحل هو القراءة: قراءة رواية أو قصة صغيرة. قراءة الكتب الأخرى تحثك على التفكير وهذا مانريد أن نتجنبه، أما الروايات والقصص فإنها تُذكّرنا بالحكايات التي تُروى للصغار قبل النوم. قرأتُ العديد من الكتب على شاشة جوالي- أكثر من ٢٠ كتابًا- قبل أن أقرر أخيرًا شراء جهاز كندل. الجهاز صغير وخفيف ومُزوّد بإضاءة تجعلك تقرأ الكتب في الظلام بسهولة ووضوح. نصحتُ إحدى صديقاتي، والتي اشتكت من غزو الأفكار الوجودية قبل النوم، بأن تقرأ قبل أن تنام حتى يسقط لوح كندل من يدها، فلئن تقضي ساعة تقرأ خير لك من أن تخسرها في أفكار سلبية تضرك ولا تنفعك.

بعض النصائح التي قد تساعدك على النوم:
– الإبتعاد عن شرب القهوة والشاي قبل ٨ ساعات من موعد نومك:
لستُ من أصحاب القهوة، فقد يكون عدم اعتيادي على شرب القهوة هو السبب الأساسي للأرق لديّ عند تناولها في وقت متأخر. لكننا لا نختلف على أن مادة الكافيين هي منبه يجعلك متيقظًا شئت أم أبيت. حتى النوم بعد نهار قد شربت فيه قهوة لايشبه النوم الذي تحظى به في يوم خال من الكافيين.

– التوقف عن ممارسة أي مثير/نشاط عقلي قبل النوم:
مشاهدة فيلم حزين أو فيلم رعب، الكتابة، الإنخراط في جدال.. كلها مثيرات تجعل عقلك نشيطًا من الصعب تهدأته، فكيف بممارستها قبل النوم؟ أذكر أن أنيس منصور كان يُعاني من الأرق -كتب مقالات في ذلك- إلا أن سبب أرقه في ظني هو تفكيره المستمر في الكتابة حتى أنه كان يضع قلمًا بجانب سريره يستخدمه في الكتابة كلما أتته فكرة نهض وكتبها.

– الرياضة | الحركة المستمرة خلال اليوم:
ذكر ديل كارنيجي في كتابه الشهير “دع القلق وابدأ الحياة”، أن مجموعة من المصابين بالقلق قد وُضعوا في مزرعة ليمارسوا نشاط المزارع من الصباح الباكر، فلا يحل المساء إلا وهم يغطون في نوم عميق. لا أقصد أن تتجه إلى مزرعة وتبدأ في مباشرة العمل كمزارع حتى تظفر بنوم عميق، لكن الشاهد من ذلك أن الجسد النشيط هو أكثر قابلية للحصول على النوم هادئ من الجسد الكسول. وممارسة الرياضة قد تساعدك على التخلص من الأرق.

– الإستغناء عن القيلولة:
من أكثر مسببات الأرق في الليل هي القيلولة وإن قصرت مدتها. لست بحاجة إلى قيلولة إلا إذا أردت أن تبقى متيقظًا آخر الليل، وهذا يحدث عادة إذا كان لديك أمرًا هامًا تعمل عليه في المساء، أو في إجازة نهاية الأسبوع وأيام العطل.

هناك بعض الوسائل الأخرى للحصول على نوم مريح، كالحصول على دش دافئ قبل النوم، والتأكد من مدى نعومة الفراش وبرودة الغرفة، بل أن بعضهم ينصح بالاستماع إلى “الإزعاج الأبيض (أو غير الضار؟)” للتخلص من القلق وهو إزعاج شبيه بصوت المكيف وعندما تكون بداخل الطائرة أو السيارة.
هنا رابط مدته ١٠ ساعات على اليوتوب من هذا الإزعاج الأبيض:

لا تعرض أعمالك على أولئك الذين لا يعرفون شيئًا

James Yang


عاش في بلاد الهند فنان شهير أحبه الناس بسبب لوحاته الرائعة اسمه (رانجا تشيلري)، واسم تشيلري في اللغة الهندية يعني سيد الألوان. كان يُلقّب برانجا جورو “المعلم رانجا”.

كان لدى المعلم رانجا تلميذ يُدعى راشيتشي، الذي بعدما انتهى من دراسته رسم لوحة رائعة وأحضرها إليه حتى يُقيّم أستاذه لوحته

“أستطيع القول بأنك فنان مبدع حقًا، لكن الناس في هذه المدينة هم من سيُقيم لوحتك. لذلك، أريد منك أن تأخذ هذه اللوحة إلى وسط المدينة فتضعها في أشد الأماكن ازدحامًا ثم تترك بجانبها قلمًا أحمرًا. اكتب ملاحظة بجانب اللوحة تسأل الناس فيها عن رأيهم تجاه عملك بأن يُحددوا بالقلم الأحمر المواضع التي لم تُعجبهم في اللوحة”.

فعل راشيتشي ما قاله أستاذه، وبعد أيام قليلة ذهب إلى وسط المدينة ليجد لوحته وقد امتلأت بالعلامات الحمراء حتى يكاد من المستحيل رؤية اللوحة. لم يكن بوسع راتشيشي الحزين أن يفعل شيئًا، لذلك قرر أن يأخذ اللوحة لأستاذه ويعلمه عن مدى إحباطه. 

نصحه المعلم رانجا أن يكف عن الشعور بالإحباط وأن يرسم لوحة أخرى، ثم يأخذها مرة ثانية إلى وسط المدينة في مكان مزدحم بالناس، ولكن من دون أن يضع بجانبها قلمًا أحمرًا بل فرشاة رسم ولوحة ألوان وألوانًا زيتية. أخبره أن يضع ملاحظة بجانب اللوحة
“أصلح المواضع التي لم تعجبك في اللوحة”. فعل راشيتشي ما نصح به أستاذه.

بعد أيام قليلة ذهب راشيتشي ليتفقد اللوحة، كان سعيدًا عندما رأى أن لا أحد قام بالتعديل على لوحته، أما الأدوات التي وضعها بجانب اللوحة فقد وجدها كما تركها. أخذ راتشيشي اللوحة وذهب بها إلى أستاذه الذي قال:



“عزيزي راشيتشي، في المرة الأولى منحت للناس فرصة لأن ينتقدوك. وعندما فعلت، انتقدوك بحدة أكثر مما تصورت. على الرغم من أن بعضهم لا يستطيع الرسم فقد انتقدوا لوحتك. لكنك في المرة الثانية أردتَ من الناس أن يُقيّموا أخطائك. بمعنى آخر، أردت أن يكون نقدهم بنّاء. ولكي يكون نقدك كذلك، تحتاج إلى أن تتعلم. لم يحاول أحد أن يصحح لك اللوحة، لم يتجرأوا لأنهم لا يستطيعون الرسم.

عزيزي راشيتشي، لايكفي أن تكون أستاذا في مهنتك فقط، بل يجب عليك أن تكون حكيمًا أيضًا. فلا يُعقل أن تتوقع ردودًا عادية من أشخاص لا يفهمون ما الذي سيقولونه لك. فبالنسبة إليهم، عملك هذا ليس له قيمة. لا تعرض عملك على الأشخاص الذين لا يعرفون شيئًا. لا تناقش أعمالك معهم”.


قصة قصيرة ترجمتها: Don’t present your work to the ones who know nothing.

لماذا يجعلك الملل أكثر إبداعًا؟ – مقال مترجم

Zohar Lazar

“أكاد أموت من الملل!”

اشتكت الزوجة حديثة السن يلينا في مسرحية تشيكوف (العم فانيا) من الملل قائلة “لا أدري ماذا أفعل”.
إذا كانت يلينا حية اليوم، فبالتأكيد سوف تخفف من مللها هذا بالعبث في جوالها: تبحث عن أمر مسلي في تويتر أو بزفيد أو لعبة “كلاش أوف كلانس”. 
إذا أصبحت لديك مُسليّات لاتُحصى في جيبك، فمن السهل أن تدفع عنك الملل. لكن ماذا سيكون الوضع لو كان الملل تجربة مفيدة تحثنا على عرض إبداعنا أو أفكارنا العميقة؟

هنا ملخص لدراستين حديثة: في الدراسة الأولى، سأل الباحثون أشخاصًا تحت الدراسة أن يفعلوا شيئًا مملّا، كأن ينسخوا الأرقام من دليل الهاتف، وبعدها يخضعون إلى اختبارات تقيس التفكير الإبداعي لديهم كابتكار استخدامات جديدة لكوبين على سبيل المثال. ماذا كانت النتيجة؟ المجموعة التي أصابها الملل قدّمت أفكارًا أكثر من المجموعة التي لم تُصاب بالملل، وكانت أفكارهم أكثر إبداعية. وفي الدراسة الثانية، اتضّح أن الأفراد الذين خضعوا لإختبار كلمات من “التفكبر الترابطي” قدّموا إجابات أكثر عندما أُجبروا على مشاهدة شاشة تعرض صُورًا مملة.


من الممكن أن يُولد الإبداع من الملل وذلك لأن العقل القلق يتعطّش للمحفزّات والأنشطة. ربما تخلق فسحة الملل هذه حركة تدفعك نحو المعرفة. يقول هيثر لنش، عالم النفس في جامعة تكساس أي اند أم، أن “الملل يتحول إلى حال من البحث والسعي، لأن ماتفعله الآن ليس مُرضيًا بالنسبة إليك، فبالتالي أنت تبحث.. أنت منشغل”.

تقول ساندي مان، عالمة النفس في جامعة سنترال لانكاشير، والتي أجرت الدراسة، أن الذهن المضجر يتحرك نحو وضعية “أحلام اليقظة”. سيُخبرك والداك بأن الأطفال الذين لايفعلون شيئًا يخترعون ألعابًا غريبة ومسلية ليتسلوا بها مثل استخدامهم لصندوق الكرتون، ومفتاح كهرباء وغيرها. فهِم الفلاسفة هذا الأمر منذ قرون، كيركيغارد قال بأن “الآلهة أحسوا بالضجر، فلذلك خَلقوا البشر”.
لكن المشكلة، والتي تُقلق علماء النفس، أننا في هذه الأيام لا نتعارك مع اللحظات البطيئة. نحن نمحوها! تقول مان “نحن نحاول أن نمحي كل لحظة ملل في حياتنا بالإستعانة بهواتفنا الذكية”. من الممكن أن يُريحنا هذا الأمر مؤقتًا، لكنه يحبس عنا التفكير العميق والذي يمكن أن يأتي من تحديقنا في الحزن. فالعبث بجوالك يُشبه “تناولك لطعام غير صحي”.

لذلك هنا فكرة نقدمها لك: في بعض الأحيان بدلًا أن تهرب من الملل، اعتمد عليه. تقول مان أن أفضل أفكارها تأتي عندما تقود سيارتها فلا تستطيع أن تمسك بجوالها.
عندما يتحدّث الكُتّاب عن استخدام برنامج “فريدوم”- برنامج الكمبيوتر الذي يحجب شبكة الإنترنت عنه أثناء عملك فلا تستطيع إستخدام الإنترنت- فإنهم يقولون أنه لمنع التشتت الذهني. لكنني أشك في أنه يُستخدم لفرض مستوى معين من الضجر في يومهم، رتابة إنتاجية مفيدة.
وهناك بالطبع ملل سيء. فالملل الجيّد يُحفزّك على رؤية نتاج ما سمّاه الفيلسوف برتراند رسل ب“الملل المثمر”. لكن النوع السيء منه، وبالعكس، يجعلك مرهقًا للدرجة التي تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء (يُسمّى بالملل البليد).

الجزء الحاسم في عصرنا هو أن نتعلم كيف نقيّم هذه النكهات المختلفة من الملل وذلك حتى نُميّز بين الملل النافع والمضر، فالنظر إلى هاتفك في لحظة ملل ليس على الإستمرار أمر سيء!


مقال كتبه كليف تومسون في مجلة “وايرد” بتاريخ ١ يناير ٢٠١٧